الاخبار المحلية > مجلس الأطلسي: الوسطية والاندماج والتوازن.. هل ينجح الشرع في إدارة التحديات؟
2026-03-13
تمرّ سوريا بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد بمرحلة انتقالية معقدة ومليئة بالتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية. ويشير التقرير الذي نشره مجلس الأطلسي إلى أن الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع ورثت دولة منهكة بفعل عقود من الاستبداد والحرب والعقوبات والعزلة الدولية، ما جعل مهمة إعادة بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار عملية شاقة. ورغم التوترات الداخلية مع الأقليات، والضغوط الخارجية، والتحديات المرتبطة بإعادة الإعمار ودمج الفصائل المسلحة، يرى التحليل أن مسار الانفتاح الدولي وتخفيف العقوبات والدعم الإقليمي يمنح دمشق فرصة للعودة إلى حضن النظام الدولي، وإن كان مستقبل هذه العملية ما يزال رهن توازنات دقيقة وتحولات سياسية لم تتبلور نتائجها بعد.
خلال العام الذي تلا الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول 2024، خضعت سوريا لعملية انتقال كبيرة، إذ لا يمكنها أن تعبر إلا من خلال هذه المرحلة، بما أن الديكتاتور ومواليه حبسوا البلد ضمن فسيفساء دولة فاسدة سماتها التطرف والعزلة والعنف. ولا توجد خريطة طريق واضحة أمام الدول المارقة لترجع إلى النظام الدولي إلا من خلال مسارات غير مكتملة، إذن، كيف سارت تلك التجربة حتى الآن؟
إن العنف الذي وقع في الساحل وفي السويداء خلال عام 2025 جعل العالم كله في حالة تأهب في أثناء اختباره لسيطرة السلطات الجديدة، فهل توقع أحد لمن خسروا نفوذهم بسقوط الأسد، مثل إيران وروسيا ووكلائهما، أن يجلسوا مكتوفي الأيدي وألا يرتكبوا أي فعل شائن خلال الفترة الانتقالية؟ زبدة القول: لا بد للضغوط الخارجية أن تقف في وجه تشكيل حكومة سورية "طبيعية".
انتشرت أمراض كثيرة في الداخل عقب عقود طويلة من الحكم الديكتاتوري، إذ ظهر التحشيد الطائفي، والتعذيب، والفساد، وعلاقات الوصاية الخارجية، وكلها استخدمت كأدوات لتقويض أي مقاومة محتملة من داخل المجتمع. إذ أيام حكم الأسد، كانت أجهزة المخابرات وحزب البعث أدوات لصنع القرار، فكانت تعمل خارج سيطرة مؤسسات الحكومة الرسمية. وبعد خمسين سنة من الحكم الاستبدادي، وأكثر من عشر سنين من الحرب، صارت فصائل تحكم البلد من داخل أجهزة الأمن، وارتبط السماسرة من أصحاب النفوذ بآل الأسد، وكذلك بداعمي الأسد الأجانب، غير أن هيكل السلطة المؤقت هذا والذي استمر لأمد طويل تهاوى في عام 2024 مع هروب الأسد إلى روسيا في الثامن من كانون الأول، ما ترك فراغاً في السلطة لا يمكن إصلاح أمره بسهولة.
ببساطة، ورثت الحكومة السورية الحالية عن نظام الأسد سلسلة مريعة ومعقدة من التحديات، سواء داخل حدود البلد أو خارجها. ثم إن عدم امتلاك القوة العسكرية الأشد قوة وتوحداً في البلد لتفويض سياسي واسع أثار مخاوف بين الناس في خضم الفرحة العارمة برحيل الأسد. فقد تولت الحكومة الجديدة في دمشق مقاليد السلطة بعد السيطرة على العاصمة وتعيينها لأفراد من هيئة تحرير الشام في مناصب مهمة وذلك لإدارة المرحلة الانتقالية، وهذا ما أثار مخاوف دول كثيرة تجاه استمرار وجود التطرف وغياب التمثيل في تلك الحكومة. ثم أتى الإعلان عن حكومة انتقالية أكثر تنوعاً في آذار من عام 2025، فكان بادرة خير تماماً كالمفاوضات التي أجراها الرئيس أحمد الشرع مع الفصائل الكردية والدرزية، إلا أن احتمال ظهور نظام حكم يمثل الجميع بلا أي إقصاء مايزال بعيداً كل البعد عن التحقق.
وعلى الصعيد الدولي، خضعت سوريا لعقوبات موجعة وموسعة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهذا ما تسبب بعزل نظامها المصرفي، وتقييد تجارتها، والحد من أنشطة الاستيراد والتصدير فيها. ثم أتى إلغاء قانون قيصر في كانون الأول، والذي كان بمثابة رد أميركي على جرائم الحرب التي ارتكبت أيام نظام الأسد، وهكذا رفعت كل العقوبات عن سوريا تقريباً، فكان ذلك خطوة مهمة بالنسبة لفتح المجال أمام الاستثمارات اللازمة لإعادة إعمار البلد ولتحسين الظروف الاقتصادية فيه. إلا أن حجم الاحتياجات هائل، إذ تشير أكثر التقديرات تحفظاً بأن عملية إعادة الإعمار تتخطى بتكاليفها عتبة 200 مليار دولار.
وبالنسبة لسياسة الرئيس ترامب القائمة على فكرة: "السلام عبر الازدهار" والتي نفذت بقيادة السفير توماس براك، فما فتئت تدفع سوريا نحو الانفتاح على الغرب وحلفائه، وفي ذلك تحول كبير بعيداً عن وصاية دول من أمثال روسيا وإيران والصين. كما أن التعامل الأوروبي والأميركي مع الحكومة السورية دفع الشركات الأجنبية نحو الاهتمام بشكل كبير بهذا البلد، وخاصة الشركات الأميركية والتركية، وهكذا واصلت شركتا غوغل وآبل تقديم خدماتهما في سوريا، فانتهى بذلك ما عرف بـ"الحصار الرقمي" المفروض عليها، في حين أصبحت لدى غرفة التجارة الأميركية مصلحة كبيرة في برنامج سوريا الجديدة. كما بدأت الشركات التركية التي تعمل في مجال الطاقة والإنشاءات وغيرهما من القطاعات المهمة التي تعمل على ترسيخ الاستقرار بالتهافت على الجارة الجنوبية.
لعبت عودة ترمب إلى البيت الأبيض دوراً حاسماً في خلق انفراجة أمام حدوث تغيير إيجابي في سوريا وعلاقاتها في المنطقة، وذلك لسببين رئيسيين، أولهما، علاقة ترامب الممتازة بالرئيس أردوغان، والتي سهلت التنسيق الدبلوماسي، وأوجدت حالة من الثقة على أعلى المستويات خلال الأيام الأحد عشر الأخيرة من حكم الأسد، والفترة التي أعقبت سقوطه مباشرة. ففي تصريح لترمب في السادس عشر من كانون الأول من عام 2024 قال: "أردوغان شخص أتفاهم معه بشكل عظيم.. فلقد أسس جيشاً قوياً للغاية، وهنالك كثير من الأمور التي لم تحدد بعد... وأعتقد بأن مفتاح سوريا سيكون بيد تركيا".
أما السبب الثاني فهو موقف ترمب القوي الموالي لإسرائيل، والشعبية الكبيرة التي يحظى بها بين الإسرائيليين وهذا ما منحه مكانة مميزة لديهم، ومكنه من الضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عندما طالب بعمل عسكري في سوريا لردع تركيا، ولإضعاف سلطة الشرع، فوبخه ترمب بالقول: "كن منطقياً" بخصوص تركيا في سوريا، وهذا ما هدأ التوتر قليلاً، وخلق فسحة مهمة للتنفس أمام الحكومة الجديدة حتى تحاول وتعمل على نشر الاستقرار في ظل هذا الوضع الهش.
عقب تنصيب أحمد الشرع، رئيساً موقتاً للبلد، شرعت الولايات المتحدة برفع العقوبات، فكان من بينها تلك التي فرضت على البلد منذ عام 1979. وكان مما دفع للقيام بهذا الإجراء لقاء ترمب بالشرع في الرياض في 14 أيار 2025، بوساطة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إذ أعاد هذا الاجتماع الأمل لنفوس الشعب السوري، ومثل فرصة لإعادة بناء بلدهم مستقبلاً، كما أعطى الإشارة للمجتمع الدولي حتى يطبع علاقته مع النظام الذي ولد حديثاً في دمشق.
ومن الأمور التي تم التركيز عليها بشكل كبير مسألة وحدة سوريا، فلطالما أكدت الولايات المتحدة وتركيا والحكومة السورية على ضرورة بقاء سوريا موحدة تحت حكومة مركزية في دمشق. ويعتبر هذا الموقف حاسماً فيما يتصل بالتصدي للسرديات والطلبات التي يرفعها المدافعون عن اللامركزية، وبينهم فصائل كردية في شمال شرقي البلد، تناصر فكرة قيام نظام فيدرالي، وكذلك الدروز الذين انحازوا لحكمت الهجري في مطالبته بالاستقلال. غير أن دمشق رفضت كلا الأمرين، وأصرت على أن الخلافات لا يمكن أن تحل "بالدم".
تصدر الكرد والدروز عناوين الأخبار خلال أشهر الصيف في عام 2025، إلا أن المشكلات القائمة في المناطق ذات الغالبية العلوية تمثل تهديداً آخر أمام نجاح عملية نشر الاستقرار. إذ عقب الإطاحة بالأسد، تحول الساحل الذي كان القاعدة الرئيسية لموالي الأسد، ومصدراً كبيراً للمتطوعين في جيشه، إلى ملاذ لضباط الجيش والمخابرات من النظام البائد، ثم وصل التوتر مرحلة الغليان عند ظهور موجة جرائم كبيرة، وذلك عندما هاجم موالون للأسد قوات الحكومة الجديدة، وقتلوا منهم المئات، فرد الجيش السوري "بقوة مفرطة"، ما تسبب بوقوع اشتباكات حصدت أرواح كثير من الناس، ووقعت خلالها فظائع بحق المدنيين وصفتها هيئة الأمم المتحدة بفظائع "واسعة الانتشار وممنهجة".
اعترفت لجنة التحقيق السورية بالاستفزازات والفظائع التي ارتكبتها قوات موالية للحكومة وأخرى مناهضة لها، كما تعهدت الحكومة السورية بمحاسبة الجميع من كلا الطرفين. إلا أن الانتقادات والمخاوف الدولية زادت عندما تورط مقاتلون دروز ومقاتلون من البدو في السويداء بجولة أخرى من الهجمات والفظائع، أسفرت عن مقتل المئات. وفي أواخر الصيف، لم تقع أي حادثة جديدة وكبيرة حتى تضاف إلى قائمة عمليات التمرد المسلحة والعمليات الانتقامية والفظائع والجرائم التي ارتكبت في عام 2025، غير أن الانطباع العام عن الهشاشة وتراجع الثقة إلى أدنى المستويات أصبح هو السائد.
ثم إن أحداثاً من هذا القبيل دفعت بعض المراقبين في واشنطن للوقوف ضد رفع العقوبات، فيما رأى آخرون بأن عزل السلطات الجديدة في دمشق ومعاقبتها لن يخفف من غلوائها ويجعل منها معتدلة، على الرغم من أن التعامل معها ووضع حوافز أمامها يدفعها لذلك. وفي نهاية الأمر، اختار معظم أعضاء المجتمع الدولي وبينهم ترامب وبراك تأييد عملية تخفيف العقوبات والتعامل مع الشرع.
ضُرب موعد نهائي بنهاية العام لاتفاقية آذار الموقعة في عام 2025 بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية التي دعمتها الولايات المتحدة لفترة طويلة، وحزب الاتحاد الديمقراطي التابع لقسد، إلا أن هذا الموعد النهائي لم يسفر عن أي شيء. فقد قوبل الجانب الكردي بتجميد الاتفاقية عند رفضه القيام بأي خطوة لبناء الثقة، واستمراره بالمطالبة بـ"الفيدرالية". فيما تعهد الجانب الأميركي الذي ترأسه براك، بالتوصل إلى حل سياسي وعقد عدة محادثات في دمشق وأربيل وشمال شرقي سوريا، إلا أن تلك المساعي لم تتمخض عن أي نتيجة ملموسة.
وفي السادس عشر من كانون الثاني، أصدر الشرع مرسوماً رئاسياً يقضي بمنح الجنسية السورية لكرد سوريا، وتضمن هذا المرسوم الذي رفضه آل الأسد لعقود طويلة، على امتيازات أخرى مثل الاعتراف بعيد النوروز الذي يحتفل به في أول يوم من فصل الربيع، ليصبح هذا العيد عطلة رسمية في البلد، والسماح للكرد بالتحدث بلغتهم الكردية وتعليمها لغيرهم.
أتى هذا المرسوم الرئاسي رداً على الاشتباكات التي وقعت بين الحكومة السورية والفصائل الكردية في حلب والتي استمرت ليومين وتمخضت عن إخراج تلك الفصائل إلى شمال شرقي سوريا.
وعقب وقوع مزيد من الاشتباكات، انسحبت القوات ذات القيادة الكردية من ريف حلب الذي تحول إلى جبهة لحزب الاتحاد الديمقراطي ضد الحكومة السورية. وأسفر هذا الانسحاب عن انهيار سريع كما تنهار أحجار الدمينو، ما تسبب بانسحاب القوات الكردية من الرقة ومعظم أجزاء محافظة الحسكة، وهذا ما سمح للحكومة السورية بالسيطرة على الموارد النفطية وتحرير مدينتين كبيرتين ما بين ليلة وضحاها.
وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذة، سافر مظلوم عبدي، قائد قسد، إلى دمشق ليلتقي ببراك في 18 كانون الثاني 2026، ومن هناك أعلن عن التوصل إلى اتفاق جديد مع دمشق يسمح لقسد بالإندماج مع الجيش السوري ووزارة الداخلية، كما يسمح للحكومة السورية بالسيطرة على آبار النفط وكامل مؤسسات الحكومة ومن بينها السجون. وبعد توقيع الشرع وعبدي على اتفاقية التنفيذ المنقحة في 30 كانون الثاني، تراجع الاقتتال، بدأت عملية اندماج حقيقية، لكنها ماتزال هشة وفي مراحلها الأولى.
على المستوى الشخصي، خضع الشرع لعملية تحول كبيرة، كانت بمثابة بشرى بحدوث التحول السياسي المأمول في سوريا، فقد خلع بزته العسكرية، وصار يخاطب الشعب السوري وهو يرتدي بزة رسمية، كما تبنى نهج الصلح مع الطوائف المتعددة في سوريا، ووجه رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن سوريا سيحكمها رئيس لا مجالس عسكرية أو دينية أياً كان نوعها.
وقد جوبه هذا التحول بتحديات من قاعدته نفسها، إذ لم يكن الشرع القائد الوحيد في هيئة تحرير الشام وغيرها من الحركات المعارضة، كما أن بعضاً ممن شاطروه هدف الإطاحة بالأسد، يدافعون عن رؤية متشددة للحكم الثيوقراطي الديني، على اعتبار أنه نهاية للثورة ومبتغاها، وهذا ما وضع الشرع في منتصف عقيدة هشة، إذ يتعين عليه تجنب أي خرق واضح مع العناصر الأشد تطرفاً وذلك ليكسب إذعانهم وخضوعه لنموذج حكم بعيد كل البعد عن الحكم الذي طبق في إدلب خلال فترة الحرب، وهذا النموذج يعتمد على البراغماتية وعلى إقامة علاقات طيبة بين السوريين ومع دول الجوار.
وفي الوقت ذاته، يجب على الحكومة الانتقالية أن تخلق حالة توازن ما بين التنافس التركي-الإسرائيلي، وإعادة اللاجئين واللاجئات، والتحدي الكبير المتمثل بإعادة الإعمار. فهل سينجح المسار الذي يؤيده الشرع علناً والذي يقوم على الوسطية والاندماج والتوازن في إدارة ضغوط وتحديات كثيرة؟ من المبكر جداً الإجابة على هذا السؤال، ولكن بعد مرور عام ونيف على سقوط الأسد، بات من الواضح بأن الشرع يسير على المسار الصحيح. بيد أن استمرار الضغط من إسرائيل، ووجود تحديات داخلية من طرف المتشددين السوريين، وصعوبة إعادة دمج الدروز والكرد بشكل ودي، والتحديات الجسام لإعادة الإعمار، كل تلك الأمور تشير إلى أن الشرع ما يزال عند منعطف حرج ، لأن الفشل في أي ملف من تلك الملفات يمكن أن يدمر الإيمان بقيادته في الداخل والخارج لدرجة يمكن معها لعجلة نشر الاستقرار في سوريا أن تتوقف، ولكن حتى الآن، ما يزال الشرع ذلك الرجل الذي لا يمكن الاستغناء عنه، إذ إن عدم وجود بدائل قد يكون عنصر الحماية الأكيد بالنسبة له حتى يبقى على هذا المسار ويحافظ على أهم داعميه في الداخل والخارج.