الاخبار المحلية > ثغرة في عملية المحاسبة بسوريا: محاكمة نجيب والحاجة إلى المحكمة الجنائية الدولية
2026-06-05
بدأت أول محاكمة جنائية لأحد كبار المسؤولين في نظام بشار الأسد المعروف ببطشه، في وقت ما يزال الإطار القانوني في سوريا غير كافٍ لإقامة هذا النوع من المحاكمات، ولكن أي خطوة نحو تحقيق العدالة أضحت موضع ترحيب بعد الحرب وما رافقها من قمع أسفر عن مقتل نحو نصف مليون إنسان وتسبب بنزوح ملايين آخرين. ومع ذلك، فإن أوجه القصور في هذه المحاكمة تكشف التناقض بين خطاب الحكومة الانتقالية الداعي إلى إطلاق عملية محاسبة يقودها السوريون أنفسهم، وبين رفضها إنشاء البنية التحتية اللازمة لهذه العملية. ثم إن المسار الوطني والدولي للمحاسبة يكمل أحدهما الآخر، لكن امتناع الحكومة عن السعي لتفعيلهما معا يقوض كلاً منهما.
في 26 من نيسان 2026، افتتحت الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية الرابعة بدمشق ضد العميد عاطف نجيب، ابن خالة الأسد، الذي شغل حتى آذار 2011 منصب رئيس فرع الأمن السياسي بمدينة درعا في الجنوب السوري، واعتبر متهمون آخرون في القضية، من بينهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، فارّين من العدالة.
وخلال جلسة الاستماع الثانية التي عقدت في 10 من أيار 2026، تلت المحكمة ما لا يقل عن عشرة تهم وجهتها لنجيب وتركزت خلال الفترة التي اندلعت فيها الاحتجاجات بدرعا، أي في مطلع عام 2011، وشملت تلك الاتهامات القتل والتسبب بموت أشخاص تحت التعذيب، والضلوع بارتكاب مجازر، وقمع الاحتجاجات السلمية، وتعذيب قاصرين.
التمس نجيب البراءة، فأنكر جميع التهم المنسوبة إليه، وأكد نقله إلى منصب مختلف في 22 من آذار 2011، وادعى بأنه لم يعد يتمتع بأي سلطة على أجهزة الأمن إثر ذلك. فخضع دفاعه للطعن، بما أن لائحة الاتهامات تشمل ما فعله في بداية شهر شباط 2011، قبل أن ينقل إلى منصب آخر كما زعم، كما أن سجل الوقائع يشير إلى أنه كان يتمتع بسلطة قيادية في أثناء حملة القمع التي شهدتها المرحلة الأولى من تلك الأحداث.
تعمل النيابة العامة على متابعة القضية بموجب القانون الوطني، وقانون العقوبات السوري يحرم ارتكاب جرائم مثل القتل والتعذيب والاعتداء والاعتقال التعسفي. ومع ذلك، وصف المدعون العامون تلك الأفعال بأنها جرائم ضد الإنسانية، استناداً إلى المادتين 12 و49 من الإعلان الدستوري الجديد للبلد، مع أنه من المفترض أن يدمج هذا الإعلان الصادر في 13 من آذار 2025 المعاهدات التي صدقتها سوريا وغير ذلك من مواد القانون الدولي العرفي ضمن المنظومة القانونية الوطنية. كما أن المادة 49 تستثني الجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم الدولية من مبدأ عدم سريان القانون بأثر رجعي، غير أن الإشكالية هنا هي أن هذا الاستثناء يسري فقط على مسؤولي النظام البائد، ولذلك لابد من إدخال هذه المواد الدستورية ضمن قانون العقوبات السوري بشكل رسمي.
ثم إن القانون السوري لا يشتمل على أي مادة أو بند يتصل بمسؤولية القيادة، ولا يتضمن أي مادة قريبة في مضمونها من المادة 28 في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهذه الثغرة تحد من الملاحقات الجنائية بحيث تقتصر على مرتكبي الجرائم المباشرين، وهذا ما يوفر حماية فعلية لتسلسل القيادة.
وفي الوقت ذاته، تمثل مسألة العقوبة تنازعاً بين شروط العدالة الوطنية واحتمالية تحقيق تعاون قضائي دولي. فالمادة 535 من قانون العقوبات تنص على الحكم بالإعدام على مرتكب القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وبعض أهالي الضحايا دعوا لتطبيق هذه العقوبة، بما أن سوريا دولة تعتمد هذه العقوبة وتنفذها، كما أن قانون العقوبات فيها يبيح الحكم بالإعدام على من يرتكب جرائم كبرى مثل القتل أو الخيانة أو غيرها من الجرائم التي تعتبر "مناهضة لأمن الدولة"، أي تعتبر عموماً جرائم مرتبطة بالإرهاب.
وبموجب المبادئ الراسخة منذ أمد طويل، فإن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لن تسلم المتهمين الذين يمكن أن يحكم عليهم بالإعدام، إلا في حال تقديم ضمانات دبلوماسية موثوقة للغاية بعدم تنفيذ حكم الإعدام بحق الشخص المعني الفار من العدالة. كما أن معظم دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك المملكة المتحدة، تفرض قيوداً على تقديم أي مساعدة قانونية مشتركة في المحاكمات التي ستتمخض حتماً عن حكم بالإعدام، وهذا ما يؤدي إلى تعطيل مسار التعاون الذي تحتاجه النيابة العامة في سوريا.
بالتوازي مع محاكمة نجيب، افتتحت المحكمة محاكمة غيابية لبشار الأسد، من دون أن يتضح أي التزام للسلطات بالمادة 14 (3) (d) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص إلى جانب إقرارها بحق المتهم بمحاكمة وجاهية، بأن يُبلّغ المتهم رسمياً بالتهم المنسوبة إليه بالإضافة إلى موعد محاكمته.
لم يكن الأسد موجوداً في قاعة المحكمة، ولم يوكل أي محام عنه، ولم يبدر منه أي رد على أي استدعاء، ولكن في جلسة العاشر من أيار، أعلنت المحكمة بأن المتهمين الذين لم يحضروا أصبحوا فارين من وجه العدالة على الرغم من عدم وجود ما يثبت تبليغهم رسمياً بموعد محاكمتهم. وبموجب المادة 322 من قانون المحاكمات الجزائية السوري، جردت المحكمة بشار الأسد وماهر الأسد من حقوقهما المدنية، وأخضعت أصولهما لإدارة الحكومة.
في هذه الأثناء، يعيش الأسد في موسكو تحت حماية روسية، من دون أن يوفر العمل الإطاري الثنائي بين روسيا وسوريا أي مسار عملي لتسليمه. ففي أيار 2014، استخدمت روسيا حق النقض لتعرقل قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي يقضي بإحالة الملف السوري للمحكمة الجنائية الدولية، ولم تفلح أي محاولة لاحقة في تجاوز هذه العقبة. وعلى الرغم من أن روسيا غير ملزمة قانونياً بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية التي اتهمت الرئيس بوتين وخمسة غيره من المسؤولين الروس بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، فإنه يحق للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة توقيف بحق أفراد مقيمين على الأراضي الروسية، ويشمل ذلك الأسد، كما أن ذلك يحد من قدرة المتهمين على السفر إلى 125 دولة عضواً في تلك المحكمة، بما أن أياً من هؤلاء المتهمين يمكن أن يتعرضوا للاعتقال هناك. ثم إن الملاحقات القضائية التي تفرضها المحكمة الجنائية الدولية تسهم أيضاً في إنشاء سجل أدلة دائم.
أصبح السبيل المؤكد اليوم لإخضاع الجرائم المرتكبة في سوريا للولاية القضائية الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية يتمثل بانضمام الحكومة الجديدة لهذه المحكمة ومنحها سلطة قضائية ذات أثر رجعي بموجب المادة 12 (3) من نظام روما الأساسي، تماماً كما فعلت أوكرانيا حتى تتمكن من ملاحقة المسؤولين الروس قضائياً.
وقد زار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، دمشق في كانون الثاني 2025، وأجرى محادثات مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، كما طالب كل من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، ورئيس الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، روبرت بيتيت، سوريا بالمصادقة على نظام روما الأساسي.
غير أن السلطات السورية الجديدة تحجم عن القيام بهذه الخطوة، لتجنب نفسها وحلفائها أي محاكمة محتملة على جرائم الحرب خلال فترة حكمهم لمحافظة إدلب عندما كانوا قادة للثوار، والولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية لا يجوز أن تقتصر على عناصر فاعلة من طرف واحد فقط في النزاع، لأنها تشمل كل من كان فاعلاً ضمن إطار زمني ومكاني معين.
وهذا المنطق السياسي نفسه هو الذي يرسم معالم هندسة الحكومة لعملية المحاسبة الوطنية، إذ بموجب المرسوم رقم 20 الصادر في 17 من أيار 2025، أسس الرئيس الشرع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، غير أن تفويضها انحصر في "الانتهاكات الجسيمة التي سببها النظام البائد" فاستثنى بذلك الجرائم المنسوبة لغيره من الجماعات المسلحة.
ولعل معاداة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمحكمة الجنائية الدولية قد تكون من الأسباب التي منعت سوريا من اتخاذ تلك الخطوة، وذلك لأن الحكومة الأميركية فرضت عقوبات على عدد من قضاة تلك المحكمة وكبار المدعين العامين فيها لضلوعهم في توجيه اتهامات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، إلى جانب الدور الذي لعبوه في السماح بفتح تحقيق بعمليات التعذيب الأميركية في أفغانستان خلال فترة إدارة الرئيس جورج دبليو بوش. إذ خلال الفترة التي كانت إحدى الأولويات الدبلوماسية لسوريا تتمثل بتأمين رفع للعقوبات من طرف واشنطن، لم ترغب السلطات السورية الجديدة بالظهور بمظهر المؤيد للمحكمة الجنائية الدولية. وعلى المنوال ذاته، فإن دول الخليج العربي قد لا ترحب بعضوية سوريا في تلك المحكمة في وقت باتت سوريا بأمس الحاجة للتمويل الخليجي من أجل عملية إعادة الإعمار.
وختاماً، فإن القيادة الانتقالية جعلت من المحاسبة عملية تتم بقيادة سورية، لذا فمن الصعوبة من الناحية السياسية على أي حكومة ماتزال تسعى لترسيخ سلطتها في الداخل أن تخضع نفسها لأي ولاية قضائية تتمتع بها أي جهة خارجية. غير أن مبدأ التكامل في عمل المحكمة الجنائية الدولية قد يوفر مخرجاً من هذا المأزق، إذ عبر البدء بمحاكمات وطنية، يمكن للحكومة أن تبدي "استعدادها وقدرتها" على تنفيذ الملاحقة القانونية، وبذلك فإنها تحمي نفسها نظرياً من تدخل المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 17 من نظام روما الأساسي.
بيد أنه من الصعب للغاية على السلطات السورية أن تدعي بأن ملاحقاتها القانونية الوطنية مكافئة لإجراءات المحكمة الجنائية الدولية من دون أن تدمج وبشكل كامل ضمن قانونها الوطني الجرائم الدولية كما أسلفنا الحديث، وهذه الجرائم تشمل الجرائم ضد الإنسانية بالإضافة إلى مبادئ المسؤولية، مثل مسؤولية القيادة.
لعل الاتحاد الأوروبي يعتبر الجهة التي تتمتع بأكبر نفوذ وتأثير يساعدها على أن تشجع على اتخاذ نهج مفيد بنسبة أكبر فيما يتصل بالعدالة الانتقالية، فقد رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا في أيار من عام 2025، واحتفظ فقط بالقيود المفروضة على السلاح والعقوبات التي تستهدف شخصيات تتبع للنظام البائد.
وفي 11 من أيار 2026، عاد المجلس الأوروبي ليطبق وبشكل كامل بنود اتفاقية التعاون المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، كما عقد خلال الشهر نفسه أول حوار سياسي سوري-أوروبي على أرفع المستويات. وفي 18 من أيار 2026، مدد المجلس العقوبات التي تستهدف مسؤولي النظام البائد حتى حزيران 2027، مع رفع العقوبات عن سبع كيانات، شملت وزارتي الداخلية والدفاع.
ومع تزايد التفاعل والمشاركة، ينبغي ربط العمل الإطاري للشراكة السورية-الأوروبية اليوم بمزيد من عمليات رفع العقوبات والدعم المخصص لإعادة الإعمار وذلك من خلال معايير واضحة، تتلخص بالانضمام لنظام روما الأساسي، وتوسيع إطار التفويض الممنوح للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بحيث يشمل جميع مرتكبي الانتهاكات.
قد تمثل محاكمة عاطف نجيب لحظة مفصلية في تاريخ المحاسبة بسوريا، إلا أن تحول تلك المحاكمة إلى أساس حقيقي للمحاسبة يعتمد على مدى استعداد ورغبة الحكومة الانتقالية بإنشاء العمل الإطاري المؤسساتي والقانوني اللازم، بحيث لا تقتصر الأمور على إجراء محاكمات قضائية ذات نطاق وتأثير محدودين.