2026-07-18
عادت قضية أراضي البجاع في ريف دمشق إلى الواجهة، بعدما تلقى أصحاب المزارع والأراضي الزراعية إنذارات رسمية تطالبهم بإخلاء ممتلكاتهم خلال مدة لا تتجاوز 15 يوما، تمهيدا لتنفيذ مشروع "أبيات هيلز" الذي تطوره شركة "أبيات" السعودية للاستثمار والتطوير العقاري بالشراكة مع المؤسسة العامة للإسكان.

وأثارت الإنذارات احتجاجات واسعة بين الأهالي، الذين أكدوا أنهم يملكون سندات ملكية رسمية، ويقيمون في هذه الأراضي ويزرعونها منذ عقود، معتبرين أن القرار يعيد إحياء ملف استملاك قديم يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ويهدد مصادر رزق مئات العائلات.

نظم سكان المنطقة وقفات احتجاجية طالبوا خلالها بإلغاء إشارات الاستملاك المفروضة على أراضيهم، ورفضوا تنفيذ قرارات الإخلاء، مؤكدين أن الأراضي ليست مجرد أملاك عقارية، بل مصدر معيشتهم الوحيد وإرث عائلاتهم عبر أجيال.

وقالت ندى، وهي إحدى المتضررات، إن الأهالي كانوا يأملون أن تعيد السلطات الجديدة الحقوق إلى أصحابها، ولا سيما بعد تصريحات رئيس الجمهورية أحمد الشرع بشأن إعادة الحقوق إلى المواطنين.

وأضافت أن أصحاب الأراضي يملكون وثائق ملكية رسمية، ويرفضون مغادرة مزارعهم لصالح مشروع استثماري، مؤكدة أن الأرض احتاجت سنوات طويلة من العمل حتى أصبحت مصدر رزق لعشرات الأسر.

من جانبه، قال سميع، أحد أصحاب المزارع، إن الأهالي يعتمدون على الزراعة وتربية النحل والحيوانات في معيشتهم، مشيرا إلى أن تنفيذ المشروع سيقضي على هذه الأنشطة بالكامل، وأضاف أن السكان يدعمون الدولة، لكنهم يعتبرون قرار الإخلاء ظلما، متسائلا عن مصير العائلات التي ستفقد منازلها وأرزاقها.

وبحسب الأهالي، فإن مجلس بلدية صبورة أبلغهم أن الإنذارات جاءت بناء على توجيهات رسمية، في حين أكدت وزارة الإسكان أن الملف أصبح لدى محافظة ريف دمشق، في حين امتنعت المحافظة عن الإدلاء بأي توضيحات حول القضية.

ويقول السكان إنهم لم يتلقوا أي معلومات حول سكن بديل أو تعويض مناسب، رغم اقتراب انتهاء مهلة الإخلاء.

وأوضح محمد نذير حوراني، أحد أصحاب الأراضي، أن عائلته تمتلك نحو 74 دونما منذ عامي 1975 و1978، مشيرا إلى أن المؤسسة العامة للإسكان فرضت إشارات استملاك على الأراضي خلال حكم النظام المخلوع.

وأضاف أن الأرض بقيت طوال العقود الماضية بيد أصحابها الذين استمروا في زراعتها والإقامة فيها، مؤكدا أن بعض أشجار الزيتون يتجاوز عمرها 400 عام، إلى جانب أشجار الرمان والتين ومزارع الأبقار والحيوانات التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم.

وأشار إلى أن الأهالي استقبلوا سقوط النظام بأمل إنهاء ملفات الاستملاك القديمة، إلا أنهم فوجئوا بإنذارات الإخلاء التي أعادت -بحسب وصفه- ممارسات الماضي.

وأكد أن الأرض بالنسبة للأهالي ليست مجرد عقار، بل تمثل الوطن والذاكرة ومصدر العيش، لافتا إلى أن بعض أفراد العائلات دفنوا داخل هذه الأراضي.

وقال حوراني إن التعويضات التي رصدت لبعض المالكين سابقا لم تكن عادلة، موضحا أن بعضهم لم يحصل إلا على مبالغ تعادل نحو خمسة دولارات، بينما لم يحصل آخرون على أي تعويض.

وأضاف أن مراجعة المعاملات كانت تكلف أصحابها أكثر من قيمة التعويض نفسه، مشيرا إلى أن بعض الأهالي تعرضوا للاعتقال لسنوات بسبب اعتراضهم على قرارات الاستملاك خلال العقود الماضية.

كما رفض اتهام السكان بالتعدي على أملاك الدولة، مؤكدا أنهم يملكون تسلسلا عقاريا وسندات طابو تثبت ملكيتهم، وأن أسماء المالكين الأصليين كانت مثبتة في السجلات العقارية لسنوات طويلة.

وكشف حوراني أن أهالي المنطقة قدموا نحو 720 طلبا إلى محافظة ريف دمشق خلال العام وخمسة أشهر الماضية، تضمنت وثائق الملكية والاعتراضات الرسمية، إلا أنهم لم يتلقوا أي رد حاسم.

من جانبه، رأى الخبير في التقييم العقاري عماد الدين شقيفة أن قرارات الاستملاك الصادرة قبل نحو خمسين عاما تستوجب إعادة النظر، خصوصا أن المشروع الذي استندت إليه لم ينفذ طوال هذه الفترة.

وأوضح أن الاستملاك شُرع أساسا لتحقيق النفع العام، مثل إنشاء الطرق أو المرافق العامة، بينما تختلف المشاريع السكنية والاستثمارية التي تبيع الوحدات السكنية، إذ يجب فيها تعويض المالكين وفق القيمة السوقية الحقيقية للأرض.

وأضاف أن استمرار الأهالي في استثمار الأراضي والإقامة فيها طوال العقود الماضية يعد مؤشراً على أن الاستملاك لم ينفذ فعليا، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم القرار.

وأشار إلى وجود توجه داخل مجلس الدولة لإعادة النظر في قرارات الاستملاك القديمة التي مضى عليها أكثر من عشرين عاما من دون تنفيذ، معتبرا أن مرور نحو نصف قرن يضعف المبررات القانونية للاستمرار بها.

وحذر شقيفة من تحويل أراضي البجاع الزراعية إلى مشاريع عمرانية، مشيرا إلى أن المنطقة تشكل جزءاً من الغوطة الغربية وتضم غطاء نباتيا مهما، في وقت تعاني فيه سوريا من تراجع المساحات الخضراء.

واقترح إلغاء قرار الاستملاك أو استبدال المشروع بموقع آخر لا يضم أراضي زراعية، حفاظا على الثروة البيئية والزراعية للمنطقة.

وأكد شقيفة أن بإمكان أصحاب الأراضي اللجوء إلى القضاء الإداري ورفع دعوى أمام مجلس الدولة ضد المؤسسة العامة للإسكان ومحافظة ريف دمشق، مستندين إلى مرور عشرات السنين على قرار الاستملاك من دون تنفيذه، واستمرارهم في حيازة الأرض واستثمارها.

وأوضح أن الدعوى تمر بدرجتين من التقاضي، وأنه من الضروري مطالبة المحكمة بوقف تنفيذ قرارات الإخلاء إلى حين صدور حكم نهائي، معتبراً أن وقف التنفيذ يمثل الضمانة القانونية الأساسية لحماية حقوق السكان خلال سير الدعوى.

ويرى الأهالي أن المشروع المزمع تنفيذه لا يحقق مفهوم "النفع العام"، مؤكدين أنهم لا يعارضون إقامة مرافق عامة أو مساكن شعبية، لكنهم يرفضون اقتلاعهم من أراضيهم لصالح مشروع استثماري فاخر.

وأشار حوراني إلى أن أسعار الوحدات السكنية ضمن مشروع "أبيات هيلز" تصل إلى نحو 280 ألف دولار، ويتراوح سعر المتر بين ألف و1150 دولاراً، معتبرا أن هذه الأسعار تستهدف شريحة محدودة من المستثمرين ولا تخدم أصحاب الدخل المحدود أو المتضررين من الحرب.

ويضع هذا الملف الجهات الرسمية أمام اختبار قانوني واجتماعي وبيئي مع اقتراب انتهاء مهلة الإخلاء، في وقت يتمسك فيه الأهالي بإلغاء قرارات الاستملاك واستعادة أراضيهم، بينما يؤكد خبراء قانونيون أن مرور نحو خمسين عاما من دون تنفيذ المشروع يستوجب مراجعة القرار وضمان حماية حقوق المالكين وفق الأطر القانونية النافذة.

عدد المشاهدات: 62020
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة