2026-08-03
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا تمثل المفصل الأساسي في المنطقة، مشيراً إلى أنه كان يتوقع وصول البلاد إلى مرحلة التغيير، وكان على يقين بسقوط نظام الأسد المخلوع نتيجة الجرائم الكثيرة التي ارتكبها بحق الشعب السوري، مؤكداً أن إزالته كانت ضرورة للعالم، وليس لسوريا فحسب.

وفي لقاء خاص ضمن برنامج "المقابلة" على قناة الجزيرة ، بُث مساء أمس الأحد، استعرض الرئيس الشرع جوانب من حياته الشخصية ونشأته ومسيرته منذ مقاعد الدراسة وحتى تحرير دمشق، موضحاً أن انتماءه للجولان تبلور من خلال الخطاب اليومي داخل الأسرة والمجتمع، وأن سوريا تشكلت عبر سبعة آلاف عام من التنوع الحضاري.

وتناول الرئيس الشرع تأثره بالخطاب القومي العربي الذي ركز على قضايا الشعوب العربية، لافتاً إلى وجود نقاط التقاء بينه وبين الخطاب الإسلامي، ومؤكداً أنه يفرّق بين الإسلام والتجارب الإسلامية التي تدخل فيها الأفكار والاجتهادات، كما أشار إلى أن البيئة التي نشأ فيها كانت ترفض النظام المخلوع بسبب سياساته وممارساته بحق المواطنين والتضييق عليهم.

وأضاف أنه استفاد من مختلف التجارب التي مر بها، وبدأ بترتيب العمل لإسقاط النظام من داخل دمشق، مشيراً إلى أن الهزائم والخسائر علمته الكثير، ولا سيما في ظل ضعف الإمكانات، ومؤكداً عدم تلقي أي دعم خارجي، بل جرى العمل على صناعة بيئة اقتصادية متوازنة في إدلب.

تطرق الرئيس الشرع إلى محطات من نشأته وتطور مساره الفكري، مستعيداً سنوات طفولته في حي المزة بدمشق، ومشيراً إلى أن ارتباط الإنسان بالمكان الذي ينشأ فيه ويستقر يساهم في تشكيل انتمائه، لافتاً إلى أن تفاصيل الحي ظلت حاضرة في ذاكرته، حتى إنه زار منزله القديم في الليلة الأولى بعد دخوله العاصمة عقب سقوط النظام.



وبيّن أن أسرته نشأت في بيئة تهتم بالعلم والثقافة، موضحاً أن والده درس الاقتصاد والعلوم السياسية، فيما عملت والدته معلمة للجغرافيا وكانت تكتب الشعر، مؤكداً أن الأسرة حرصت على تشجيع أبنائها على التحصيل العلمي، وهو ما كان له أثر في تكوينه خلال مراحل حياته الأولى.

واستعرض الرئيس الشرع تجربته في العراق، موضحاً أنه توجه إليها مطلع عام 2003، بعد مغادرته سوريا بشكل منفرد ومن دون تنسيق مع أي جهة، انطلاقاً من قناعة بأن أداء "الواجب" يتطلب خوض تجربة ميدانية كاملة.

وأوضح أنه دخل العراق مستخدماً جواز سفر نظامياً، في وقت لم تكن أسرته على علم بقراره، إذ ترك لها رسالة قبل مغادرته، مشيراً إلى أن الواقع الذي واجهه هناك كان أكثر تعقيداً مما كان يتوقع، في ظل تداخل عوامل الاحتلال والصراعات الداخلية والقبلية، وهو ما ساهم في توسيع رؤيته لطبيعة الأزمات التي تشهدها المنطقة.

وأشار الرئيس الشرع إلى أن سنوات السجن، التي امتدت لنحو خمسة أعوام، شكلت مرحلة مفصلية في مسيرته الفكرية، حيث تفرغ خلالها للقراءة والكتابة ودراسة التاريخ وتفسير القرآن والفلسفة، مؤكداً أنه استثمر تلك الفترة في مراجعة العديد من الأفكار التي كانت منتشرة في أوساط الجماعات الإسلامية.

وكشف أنه استخدم خلال وجوده في العراق هوية عراقية مستعارة باسم "أمجد مظفر حسين"، وهو الاسم ذاته الذي كان والده يستخدمه خلال فترة إقامته في بغداد، موضحاً أن هذه الهوية بقيت مرتبطة به طوال سنوات اعتقاله، التي شهدت أيضاً إعداد عشرات الأوراق والمراجعات الفكرية التي أسهمت في تشكيل رؤيته اللاحقة.

وأكد الرئيس الشرع أن أبرز ما خرج به من التجربة العراقية هو ضرورة عدم تكرارها في سوريا، مشدداً على أن لكل بلد خصوصيته وظروفه، وأن إنقاذ سوريا يتطلب تجنب التجربة العراقية وبناء مشروع مختلف يقوم على الواقعية، بعيداً عن إعادة إنتاج أخطاء الماضي.

وانتقل الرئيس الشرع إلى الحديث عن عودته إلى سوريا عام 2011، موضحاً أنه دخل البلاد بعد خمسة أشهر من اندلاع الثورة، وأقام في بدايتها بشكل متخفٍ، قبل أن يبدأ التحضير للعمل من الداخل، ثم التوجه إلى المناطق الشرقية لتأمين متطلبات المرحلة المقبلة.

وأشار الشرع إلى أن مسار الثورة السورية لم يكن مساراً واحداً، بل جمع تيارات وأفكاراً متعددة التقت حول هدف إسقاط النظام، قبل أن يفرض "تنظيم الدولة" مساراً مختلفاً أدى إلى اندلاع مواجهة مباشرة معه.

وأوضح أن قتال التنظيم تسبب بخسارة نحو 70% من القوة العسكرية، مؤكداً أن توجيه السلاح إلى الداخل تكون كلفته أكبر بكثير، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تلك المواجهة كانت ضرورية للحفاظ على مسار الثورة ومنع انحرافها عن أهدافها.

وأكد الرئيس الشرع أن هذه التجارب أسهمت في انتقاله من منطق الفصائلية إلى نهج الدولة والمؤسسات، مشيراً إلى أن الهدف لم يكن إدارة الحرب فقط، بل بناء مشروع قادر على إدارة المجتمع وتأسيس نموذج قائم على المؤسسات.

أكد الرئيس الشرع أن إزالة النظام المخلوع كانت ضرورة ليس من أجل سوريا فقط، وإنما من أجل المنطقة بأكملها، مشيراً إلى أنه تم التركيز على الجانب العسكري في مواجهة النظام المخلوع، بالتوازي مع العمل على التهيئة لمرحلة البناء.

وأضاف الرئيس الشرع أنه كان يعطي الحرب حقها، إلى جانب البناء والاقتصاد في الوقت ذاته، رغم وجودهم في منطقة محاصرة وتتعرض لضغط كبير، مضيفاً: "عملنا على نقل صورتنا الحقيقية من خلال وسائل الإعلام والزوار حول ما قمنا به في إدلب والمناطق المحررة في مختلف المجالات".

وأشار إلى أن تجربة إدلب مثلت أول فرصة لتطبيق رؤيته عملياً، إذ تحولت، إلى نموذج مصغر لإدارة الدولة، عبر إنشاء مؤسسات مدنية وجامعات ومشروعات اقتصادية، وتوفير الأمن وفرص العمل، رغم أن أكثر من نصف سكان المحافظة كانوا من النازحين.

وأوضح الرئيس الشرع: "تفوقنا على النظام حتى في المستوى المعيشي في إدلب، وكنّا نتدرب على أدوات البناء وإدارة المؤسسات، وكان لدينا مجلس للشورى وجامعات ومؤسسات إعلام، وبنينا مدينة صناعية كبيرة، وأحياء سكنية، وشيدنا مولات وطرقات وغيرها".

وأكد أن تلك التجربة حملت رسائل واضحة إلى الخارج بأن المشروع الذي يقوده لا يقوم على إدارة الحرب فقط، بل على بناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع، موضحاً أن الهدف منذ ذلك الوقت كان الانتقال من منطق الفصائل إلى منطق الدولة.

واختتم الرئيس الشرع حديثه بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تقوم على بناء دولة تحكمها المؤسسات والقانون، مع دمج الخبرات من مختلف المكونات السورية، وفتح الأبواب أمام الجميع للمشاركة في إعادة الإعمار، باعتبار أن بناء الدولة مسؤولية يشترك فيها جميع السوريين.

وشدد على أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، مؤكداً أن سوريا تحتاج إلى إصلاحات جريئة تتجاوز الحلول التقليدية، وصولاً إلى نموذج وطني يستند إلى المواطنة وسيادة القانون.

واختتم الرئيس الشرع حديثه بالتأكيد على رؤيته الحضارية لدمشق، موضحاً: "أؤمن بنظرية أن البشرية بدأت من هنا، وعندما نقف أمام دمشق، فإننا نقف أمام حضارة البشرية".

عدد المشاهدات: 79867
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة