2026-08-03
تعمل وزارة العدل السورية على إعداد مشروع قانون متكامل لمواجهة العنف الأسري، يتضمن آليات للوقاية والحماية وتنظيم التعامل مع الضحايا وتشديد العقوبات، تمهيداً لعرضه على مجلس الشعب، وذلك بالتزامن مع متابعة قضيتي مقتل الطفلة فرح عمار الحمود والطفلة نور مهند الدوس في محافظة درعا خلال فترة زمنية متقاربة، ما أعاد ملف حماية الأطفال والعنف داخل الأسرة إلى الواجهة.

وكان وزير العدل مظهر الويس أعلن أن المشروع يهدف إلى وضع إطار قانوني يحدد مسؤوليات الجهات المعنية بحماية الأسرة والتعامل مع حالات العنف، ويوفر ضمانات قانونية للضحايا وآليات تتيح التدخل السريع.

وناقش برنامج "سوريا اليوم"، في حلقة بثها سوريا اكسبو مساء الأحد، إعلان الوزير إعداد مشروع القانون، واستضاف الوكيل الإداري للمعهد العالي للقضاء سمير عبد القادر الجلول، ومدير السياسات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل واثق حلاق، والاختصاصية النفسية والاجتماعية علا شحادة، للحديث عن ملامحه وآليات الحماية والإبلاغ المقترحة.

قال الجلول إن المشروع ما يزال قيد الدراسة، وإن بعض تفاصيله قد تتغير خلال مراحل الصياغة والمناقشة.

وأوضح أن المشروع يهدف إلى حماية الأسرة والضحايا وتعزيز الاستقرار الأسري، ويقوم على منظومة تبدأ بالوقاية والحماية، وتشمل حماية المبلّغين عن حالات العنف والتركيز على حقوق الفئات الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتها الأطفال وكبار السن وذوو الإعاقة والمرضى.

وأشار الجلول إلى أن فكرة المشروع تعود إلى نحو عام، وأن العمل عليه يجري بالتنسيق بين الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان ووزارات العدل والداخلية والصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، إلى جانب جهات أخرى معنية.

وأكد أن المشروع يحتاج إلى استكمال المراجعة الفنية والصياغة التشريعية قبل عرضه على مجلس الشعب، بما يراعي طبيعة المجتمع والأسرة في سوريا.

وأوضح أن المجلس هو من يحدد موعد مناقشة المشروع وإقراره، وفق ترتيب أولوياته وحزمة مشروعات القوانين المعروضة عليه، من دون تحديد إطار زمني لبدء تطبيقه.

يتناول المشروع صوراً متعددة من العنف الأسري، بينها احتجاز الوثائق الشخصية، والتهديد بنشر الصور أو التسجيلات، والعنف الاقتصادي، إضافة إلى الاعتداءات التي تشملها القوانين المعمول بها حالياً.

وقال الجلول إن المشروع يتجه إلى وضع عقوبات تتناسب مع طبيعة كل جرم والأضرار الناتجة عنه، مشيراً إلى أن العقوبات المقترحة لم تكتسب صيغتها النهائية، وقد تخضع للتعديل قبل إقرار القانون.

وأضاف أن التشريعات السورية الحالية تتضمن نصوصاً عامة تعاقب على الاعتداء والإيذاء والقتل وغيرها من الجرائم، موزعة بين قانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية وقانون حقوق الطفل، من دون وجود قانون مستقل وواضح ينظم مواجهة العنف الأسري وآليات حماية الضحايا.

ويهدف المشروع الجديد إلى تحديد الجهات المسؤولة عن الحماية، وتنظيم الخدمات المقدمة للضحايا، وتطوير آليات الإبلاغ والإحالة والتدخل عند ظهور مؤشرات على تعرض أحد أفراد الأسرة للعنف.

كشف مدير السياسات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، واثق حلاق، عن العمل على إطلاق آلية سهلة وإلزامية تتيح للأطفال والنساء وذوي الإعاقة الإبلاغ عن حالات العنف.

وقال حلاق إن الوزارة جهزت بعض المراكز لاستقبال الحالات التي تحتاج إلى تدخل قضائي أو جنائي ومتابعة اجتماعية، بالتزامن مع إعداد برنامج لإدارة حالات حماية الطفل، يركز على حماية الأطفال ودعم أسرهم.

وأوضح أن آلية واضحة ومتكاملة للإبلاغ لم تُفعّل حتى الآن، مشيراً إلى اقتراب إطلاق "خط المساعدة" لتقديم الدعم المباشر واستقبال البلاغات، بما فيها الحالات التي يترتب عليها إبلاغ إلزامي.

وتعمل الوزارة على تطوير نظام للإحالة بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والاستفادة من وجود المنظمات داخل المجتمعات المحلية في الكشف المبكر عن حالات العنف والوصول إلى الفئات الأكثر ضعفاً.

وأضاف حلاق أن الوزارة تعد مع شركائها خططاً للتوعية بقضايا العنف الأسري والتسول والإدمان وحقوق ذوي الإعاقة.

وأشار إلى أن شمال شرقي سوريا يمثل إحدى المناطق ذات الأولوية، موضحاً أن الوزارة بحثت مع الجهات العاملة في قطاع الحماية توجيه برامج للتوعية والكشف المبكر عن حالات إدمان الأطفال في دير الزور والحسكة والرقة.

كما كشف عن قرب إطلاق برنامج للحماية الاجتماعية يستهدف الأسر الأكثر ضعفاً، بهدف دعمها وتحسين ظروفها والحد من العوامل التي تزيد مخاطر العنف.

ربط حلاق انتشار العنف داخل الأسرة بتراكم آثار سنوات الحرب والنزوح المتكرر والفقر والإدمان وتراجع شبكات الدعم الرسمية والمجتمعية، إلى جانب اختلال علاقات القوة داخل الأسرة.

وأكد أن هذه العوامل تساعد على فهم أسباب العنف ولا تمنح أي مبرر لارتكابه، مشدداً على ضرورة الجمع بين القانون والحماية الاجتماعية ودعم الأسر والتوعية والتدخل المبكر.

وأشار إلى أن العنف الذي يمارسه مقدمو الرعاية تجاه الأطفال، أو الأزواج تجاه زوجاتهم، يحتاج إلى مقاربة تراعي تفاوت القوة بين الأطراف، بدلاً من التعامل معه كاعتداء يقع بين طرفين متساويين.

وأوضح أن القانون يمكن أن يشكل أساساً لمنظومة متكاملة من التدخلات، تشمل معالجة العوامل المتداخلة التي تزيد مخاطر العنف، ومنها الفقر والإدمان والخبرات النفسية السلبية التي راكمتها سنوات الحرب.

قالت الاختصاصية النفسية والاجتماعية علا شحادة إن إقرار القانون يمثل خطوة إيجابية، وإن الحد من العنف يحتاج إلى تعاون المؤسسات القانونية والاجتماعية والتربوية.

وأشارت إلى أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل ساعدت على إظهار حالات كانت تبقى بعيدة عن الرصد، بالتزامن مع ضغوط نفسية واقتصادية وتغيرات أصابت بنية عدد من الأسر.

وأكدت شحادة أهمية منع الضرب داخل الأسرة، وتعليم الأطفال طلب المساعدة والتعبير عن تعرضهم للأذى، عوضاً عن تربيتهم على مواجهة العنف بعنف مماثل.

وشددت على دور المدارس في متابعة التغيرات التي تطرأ على سلوك الأطفال أو أجسادهم، والتواصل معهم ومع أسرهم، وتدريب الكوادر التعليمية على اكتشاف مؤشرات العنف والتعامل معها.

ولفتت إلى أن الأطفال العائدين من دول اللجوء قد يكونون أكثر معرفة بآليات طلب المساعدة والإبلاغ، إلا أنهم قد يواجهون صدمة عند غياب المرشدين أو قنوات الاستجابة التي اعتادوها، ما يستدعي تطوير منظومة الحماية داخل المدارس السورية.

وأضافت أن برامج التوعية يجب أن تركز على تعزيز ثقة الأطفال بأنفسهم وقدرتهم على التعبير والإبلاغ، مشيرة إلى أن مصدر العنف قد يكون داخل الأسرة أو خارجها، بما يشمل الأصدقاء والجيران والمحيط الاجتماعي.

أوردت الحلقة بيانات أممية تفيد بأن نحو 8.6 ملايين شخص في سوريا يحتاجون إلى خدمات الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتشكل النساء والفتيات نحو 85 في المئة منهم.

ويخص هذا الرقم الأشخاص المحتاجين إلى خدمات الوقاية والاستجابة، ولا يمثل حصيلة موثقة لضحايا العنف الأسري، في ظل غياب إحصاءات رسمية شاملة ترصد حجم الظاهرة وعدد البلاغات والقضايا المسجلة في سوريا.

وتزامن الإعلان عن المشروع مع قضيتين أثارتا اهتماماً واسعاً في محافظة درعا. ففي 20 تموز الماضي، عُثر على الطفلة فرح عمار الحمود، البالغة عامين ونصف العام، متوفاة داخل مستودع للتبن في بلدة غباغب، بعد أيام من فقدانها.

وأظهر الكشف الطبي الشرعي أن وفاة الطفلة نجمت عن الاختناق، من دون إعلان تفاصيل نهائية بشأن كيفية وقوعه، في حين واصلت الجهات المختصة تحقيقاتها لكشف ملابسات الحادثة.

وفي 28 تموز، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في درعا كشف ملابسات مقتل الطفلة نور مهند الدوس، البالغة 12 عاماً، بعد العثور على جثمانها في منطقة زراعية بمحيط بلدة نمر.

وأكد الكشف الطبي أن وفاة نور نجمت عن نزيف داخلي، في حين أعلنت الجهات المختصة توقيف مشتبه فيه وإحالته لاستكمال التحقيقات والإجراءات القانونية.

عدد المشاهدات: 59153
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة