2026-09-02
كشفت العروض العسكرية الأخيرة للطائرات المقاتلة والمروحيات التي ما تزال في الخدمة حجم التهالك الذي يعانيه سلاح الجو الذي ورثته الدولة السورية عن نظام الأسد المخلوع، في وقت لا تبدو فيه دمشق قادرة على إعادة تأسيس أسطولها الجوي خلال فترة قريبة، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل سلاح الجو السوري ومصيره، ولا سيما بعد أن اتضح أنه لا يوازي حتى سلاح النظام قبل التحرير، الذي كان معظم عتاده سوفييتي المنشأ، الأمر الذي يشير إلى أن سلاح الجو السوري بات اليوم في مرحلة شديدة التدهور تقرّبه من فقدان فاعليته بالكامل.

وفي تقرير نشرته مجلة "فوربس"، أشارت إلى أن مروحيات تابعة للجيش السوري حلّقت خلال شهر آب الفائت فوق الحشود المشاركة في فعاليات مهرجان صيف سوريا في قلعة دمشق، وبدلاً من أن تلقي البراميل المدمرة بشكل عشوائي على المدنيين العزل كما كانت تفعل أيام بشار الأسد، أخذت ترميهم بالورود. وبعد ذلك، أعلن رديف مصطفى، رئيس إدارة المحاسبة والمساءلة لدى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بأن السلطات السورية ألقت القبض على 70% من الطيارين الذين قصفوا المدنيين بأوامر من بشار أيام الحرب.

تغيرت أمور كثيرة منذ هروب الأسد في كانون الأول 2024 مع تقدم الثوار نحو دمشق، ما أنهى فعلياً الحرب التي دامت 14 عاماً، كما أنهى حكم آل الأسد الذي امتد لنصف قرن. ولقد كان سلاح الجو عنصراً أساسياً في بسط سلطة نظام الأسد منذ أن تأسست قبل عقود طويلة، حيث كان حافظ الأسد ضابطاً في سلاح الجو ثم وزيراً للدفاع قبل أن يتولى زمام السلطة في سوريا عام 1970. وإلى جانب رمي البراميل المتفجرة وغاز الأعصاب على المدنيين السوريين خلال فترة الحرب، كانت آمرية الطيران تدير أحد أشنع السجون في مطار المزة العسكري القريب من القصر الرئاسي.

لم يترك النظام المخلوع لمن أتوا بعده سوى بضعة طائرات حربية ما تزال في الخدمة، بعد أن كبدت الحرب خسائر فادحة للأسطول الجوي المتهالك من المقاتلات والمروحيات سوفييتية الصنع. ومع أن الأسد لم يأمر بدفن ما تبقى من المقاتلات مع تقدم الثوار، كما فعل الرئيس العراقي السابق صدام حسين قبيل غزو العراق في عام 2003، فإن إسرائيل سرعان ما استهدفتها بغاراتها الجوية التي دمرت جزءاً كبيراً مما تبقى من سلاح الجو السوري، وكان من بينها مقاتلات ميغ-29 فولكروم من الجيل الرابع، والتي اشترتها دمشق في ثمانينيات القرن الماضي، وما تزال حتى يومنا هذا من أكثر الطائرات المقاتلة تطوراً لدى سلاح الجو السوري.

غير أن الغارات الجوية الإسرائيلية لم تدمر كل شيء، إذ ما يزال لدى سوريا مروحيات في الخدمة والتي ظهرت في العرض العسكري بدمشق في شهر آب. كما لدى سوريا اليوم عدد محدود من الطائرات الحربية الموجودة في الخدمة، إذ في 24 من تموز الماضي، وخلال حفل تخريج أول دفعة من طلاب الكلية الجوية بعد سقوط الأسد، حلقت طائرتان نفاثتان مخصصتان للتدريب إلى جانب طائرتي هجوم من طراز Aero L-39 Albatros تشيكية الصنع، وكلتاهما لا تستطيعا خرق سرعة الصوت. كما حلقت مروحيتان مقاتلتان من طراز Mi-24 Hind، في ذلك العرض. وأظهر مقطع فيديو نشر في آب الماضي طائرتين من طراز Su-22 Fitter خلال تحليقهما فوق محافظة إدلب بشمالي سوريا.

تعود كل تلك الطائرات لما اشترته سوريا خلال ثمانينيات القرن الماضي، تلك الفترة التي تمثل ذروة مرحلة الشراء والاقتناء لرفد سلاح الجو السوري، ولهذا فإن تلك الطائرات أصبحت عتيقة جداً وشارفت على نهاية خدمتها.

بيد أن وجود تلك الطائرات الحربية يذكرنا بمدى اعتماد سوريا في السابق على الاتحاد السوفييتي ثم دول الكتلة السوفييتية في مجال الطائرات الحربية والمروحيات، إذ باستثناء بعض الطلبات الكبيرة على مروحيات خفيفة من طراز SA-342 Gazelle الفرنسية والتي اشترتها سوريا في أواخر سبعينيات القرن الماضي وأوائل الثمانينيات، بقيت سوريا تعتمد بشكل شبه كامل على الاتحاد السوفييتي بالنسبة لطائراتها العسكرية، على الرغم من أنه حتى العراق الذي كان حزب البعث يحكمه أيضاً، اعتمد على التنويع في أسطول طائراته الحربية، وذلك عندما صار يطلب الطائرات من الاتحاد السوفييتي وفرنسا، في حيث لم تفعل دمشق ذلك قط، كونها لم تكن قادرة على دفع التكاليف التي بوسع جارها الغني بالنفط أن يدفعها.

بذكاء لافت، تسعى سوريا اليوم للمحافظة على شراكة أشد توازناً مع روسيا، ومع ذلك، من المستبعد أن تقدم موسكو ما يساعد دمشق على إعادة بناء سلاحها الجوي المدمر.

قبل العرض العسكري والفيديو الذي شوهدت فيه طائرات L-39 وSu-22، ظهرت في فيديو آخر نشر في أيار الماضي ونشرته إحدى الصحف طائرات ميغ-29 سورية وهي تحلق في سماء البلد للمرة الأولى منذ عام 2024، ثم تبين بأن ذلك الفيديو مولد بالذكاء الصناعي. فقد زعمت روسيا أنها قدمت لسوريا طائرات ميغ-29 حديثة في عام 2020، إلا أن ذلك لم يكن سوى ذريعة لنقل مقاتلات ميغ-29 من دون أي علامة تعريفية إلى شرقي ليبيا، وقد مرت تلك الطائرات الحربية عبر قاعدة حميميم الجوية في سوريا.

كما زعم نائب إيراني في عام 2025 بأن طهران تسلمت مقاتلات ميغ-29 من روسيا، وذلك قبل موعد التسليم المرتقب لطائرات سوخوي-35 فلانكر المقاتلة التي طال انتظارها، ولكن لم يرشح أي دليل حول تسليم تلك الطائرات.

غير أن روسيا حتى لو رغبت خلال هذه المرحلة بإعادة بناء سلاح الجو السوري من مقاتلات ميغ-29 من الصفر، أو رفد أسطول إيران المتهالك من مقاتلات Fulcrums ، فإنه لم يعد لديها من الطائرات المقاتلة سوى عدد يقل عن تسعين طائرة.

وفي الوقت الذي يرجح بعض الخبراء أن تساعد روسيا سوريا على تخديم وصيانة عتادها السوفييتي القديم، فمن غير المرجح أن تشكل الأسلحة الروسية، أو الطائرات الروسية على أقل تقدير، معظم الترسانة في سلاح الجو السوري مستقبلاً، على الرغم من أن الدولة التي ستمد سوريا بمعظم سلاحها الجوي ماتزال غير معروفة.

بعد 2003، صار العراق يشتري مقاتلات إف-16 الأميركية، أي تلك المقاتلات التي قصفت البلد خلال الحروب التي سبقت عام 2003، غير أنه من المعروف عن العراق تنويعه لمصادر اقتناء طائراته المقاتلة، ويبدو أنه ما يزال يعتمد النهج نفسه، ويتضح ذلك من خلال دخوله في مفاوضات لشراء طائرات Dassault Rafale من فرنسا، إلى جانب احتمال شرائه لطائرات JF-17 الصينية-الباكستانية.

على الرغم من الريبة الشديدة التي تبديها إسرائيل تجاه الحكومة السورية الجديدة، واستعدادها للتحرك بشكل استباقي ضد أي تعزيزات عسكرية تركية تتم في سوريا، فإن سوريا لا تملك المال اللازم لشراء مقاتلات حديثة في المستقبل المنظور.

لذا، وعلى فرض تمكنت سوريا من بلوغ درجة من الثقة مع جارتها الجنوبية خلال الأشهر أو السنوات المقبلة، فمن الممكن لسوريا أن تصل إلى حل مؤقت يسد الفجوة بين سلاح الجو الذي ترغب ببنائه مستقبلاً وبين ما تبقى من ترسانتها سوفييتية الصنع التي تعرضت لدمار كبير.



تعتبر تركيا من أبرز المرشحين لردم تلك الهوة، فقد تدمر معظم سلاح الجو الليبي خلال الحروب المتتابعة منذ عام 2011، فزودتها أنقرة بمسيرات رخيصة نسبياً، على رأسها مسيرات بيرقدار TB2، وذلك لتساعد حكومة طرابلس على الاحتفاظ ببعض القدرات الجوية التي أثبتت أهميتها في حرب عام 2020 ولهذا يمكن أن تعرض أنقرة حلولاً مشابهة على دمشق مستقبلاً.

وفي الوقت الذي تعتبر المسيرات حلاً جزئياً مؤقتاً، فإن شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI) التي تملكها الدولة قد طورت عدداً من الطائرات محلية الصنع، ويمكن لهذه الطائرات أن تساعد سوريا على الاحتفاظ ببعض الطائرات بعد أن تنفذ طائرات L-39 وSu-22 المتبقية آخر طلعاتها الجوية، إلى أن تحل محل تلك الطائرات وغيرها من طائرات ميغ-29 المحطمة طائرات أخرى.

تنفذ طائرة هيركوش التي تصنعها شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية عمليات تدريب وهجوم بري، كونها مزودة بمحرك توربيني مروحي، ولهذا يمكن أن تستخدم كحل مؤقت، لتدريب الطيارين الجدد والحفاظ على جاهزية الطيارين الحاليين. أما طائرات هورجيت الأكثر تطوراً، فهي طائرات تدريب نفاثة وطائرات قتالية خفيفة في آن معاً، ما يجعل منها بديلاً مناسباً لطائرات L-39.

ومع الغموض الذي ما يزال يكتنف مستقبل سلاح الجو السوري، لم يعد من المستبعد أن يظهر خلال السنوات القادمة أسطول جوي متواضع وانتقالي تقدمه تركيا ويضم مسيرات بيرقدار وطائرات من صنع شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية، وذلك بالتزامن مع تشكل تدريجي لسلاح جو سوري جديد بالكامل خلال مرحلة ما بعد الأسد.



المصدر: The Forbes

عدد المشاهدات: 66650
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة