2026-09-20
تواجه سوريا بعد سقوط نظام الأسد تحدياً اقتصادياً يتجاوز معالجة آثار الحرب والانهيار المالي، ليصل إلى إعادة تعريف دور الدولة وعلاقتها بالمواطن، وبينما تتجه الحكومة نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وتقليلاً لتدخل الدولة، يبرز سؤال أساسي حول الجهة التي ستتحمل كلفة هذا التحول، ولا سيما في ظل اتساع الفقر وضعف القدرة الشرائية.

وخلال حلقة من برنامج "المنتدى" على شاشة سوريا اكسبو، ناقش رئيس تحرير "سيريا ريبورت" جهاد يازجي، وأستاذ إدارة الأعمال عبد الناصر الجاسم، والخبير في التخطيط الاقتصادي خالد الحمدي، مستقبل الدعم الحكومي، ودور الدولة في الاقتصاد، والسياسات المطلوبة لحماية السوريين خلال المرحلة الانتقالية.

رفض يازجي توصيف التحول الاقتصادي الحالي باعتباره انتقالاً من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد حر، مشيراً إلى أن سوريا كانت قد بدأت قبل عام 2011 مساراً نحو اقتصاد السوق، وأن القطاع الخاص كان يمثل نحو 70% من الناتج المحلي، مع وجود مصارف وشركات تأمين وتوزيع خاصة.

وبحسب يازجي، فإن ما يجري حالياً يتمثل بصورة أكبر في تفكيك ما تبقى من أشكال الدعم والخدمات الاجتماعية التي كانت تقدمها الدولة، معتبراً أن تقليص الدعم في مجتمع يعاني مستويات مرتفعة من الفقر يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المحروقات والسلع الأساسية.

في المقابل، رأى الحمدي أن الدولة السورية تعمل ضمن ظروف استثنائية، وأنها تسعى إلى بناء نموذج اقتصادي جديد يعتمد على الاستثمار والإنتاج وتوسيع العلاقات الاقتصادية، لكنه شدد على ضرورة ألا يؤدي الإصلاح إلى المساس بالخدمات الأساسية أو الفئات الأكثر هشاشة.

شكل مستقبل الدعم الحكومي محوراً رئيسياً في النقاش، واتفق الضيوف على أن استمرار الدعم الشامل بصورته التقليدية يمثل عبئاً كبيراً على المالية العامة، لكنهم اختلفوا في كيفية الانتقال إلى نظام أكثر استهدافاً.

وأشار الحمدي إلى أن الدعم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هدفاً اقتصادياً بحد ذاته، بل أداة لحماية القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي.

ودعا إلى الانتقال من الدعم الشامل إلى ما وصفه بـ"الدعم الذكي"، بحيث يستهدف الأسر الأكثر هشاشة، مع ربط بعض أشكال الدعم بالعمل للفئات القادرة على العمل.

أما الجاسم فشدد على أن إصلاح الدعم لا يعني إلغاءه، بل إعادة تصميمه بحيث يصل إلى مستحقيه، محذراً من أن رفع الأسعار من دون زيادة الدخول الحقيقية سيؤدي إلى تراجع مستوى المعيشة.

وبرأيه، ينبغي أن تشمل الحماية الاجتماعية الأسر منخفضة الدخل والأطفال وكبار السن والمناطق الأكثر فقراً، مع بناء آليات دقيقة لتحديد المستحقين ومنع المحسوبيات والفساد.

برز خلال الحلقة اتفاق على أن الانتقال إلى اقتصاد السوق لا يعني إخضاع جميع الخدمات لمنطق العرض والطلب.

وقال الحمدي إن هناك قطاعات لا ينبغي أن تكون بالكامل رهينة للسوق، وفي مقدمتها التعليم والصحة والأمن الغذائي والخدمات الأساسية.

وأكد الجاسم أن مسؤولية الدولة في المراحل الانتقالية لا تقتصر على ضبط السوق، بل تشمل ضمان الحد الأدنى من الطاقة والكهرباء والمياه، وإعادة بناء المؤسسات، ثم الانتقال إلى إصلاح السياسات المالية والنقدية ودعم عملية إعادة الإعمار.

ويرى المتحدثون أن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بخفض عجز الموازنة، وإنما أيضاً بمدى شعور المواطن بأن أعباء الإصلاح موزعة بصورة عادلة، وأن الموارد التي توفرها الدولة نتيجة تقليص الدعم تتحول إلى خدمات أو حماية اجتماعية أو استثمارات ذات أثر مباشر.

انتقد الجاسم طريقة اتخاذ بعض القرارات الاقتصادية، معتبراً أن رفع أسعار المحروقات لم يكن الخيار الوحيد المتاح أمام الحكومة.

وقال إن القاعدة الأساسية في الإدارة تقتضي دراسة عدة بدائل قبل اتخاذ القرار، ثم اختيار الخيار الذي يحقق أفضل عائد بأقل كلفة، معتبراً أن العائد الاجتماعي يجب أن يكون معياراً أساسياً في المرحلة الانتقالية.

وطرح الاقتراض، سواء الداخلي أو الخارجي، كأحد البدائل الممكنة، معتبراً أن الاقتراض لا ينبغي رفضه بصورة مبدئية، بل تقييمه وفق كلفته وعوائده وشروطه.

في المقابل، رأى الحمدي أن الاقتراض قد يفرض على الدولة التزامات وشروطاً سياسية، ولذلك تفضل الحكومة البحث عن حلول أخرى ضمن الإمكانات المتاحة، بما فيها جذب الاستثمارات الخارجية وتفعيل القطاع الخاص.

أشار الحمدي إلى مشكلة أساسية أمام أي نظام جديد للدعم، تتمثل في ضعف البيانات والإحصاءات الدقيقة المتعلقة بالأسر والدخل ومستويات الفقر.

واقترح إنشاء سجل اجتماعي موحد يمكن ربطه بالهوية الشخصية، بهدف تحديد الأسر المستحقة بصورة أكثر دقة، والانتقال تدريجياً إلى الدعم النقدي بدلاً من دعم السلع.
كما طرح إنشاء صندوق للتعافي من آثار الدعم، على أن ترتبط برامجه بمؤشرات قابلة للقياس والمراجعة بصورة دورية.

ويرى المتحدثون أن نجاح هذا النموذج يتطلب قدرة مؤسسية وإدارية على جمع البيانات وتحديثها، إلى جانب آليات رقابة تمنع تحول الاستحقاق الاجتماعي إلى وسيلة للمحسوبية أو الإقصاء.

ناقش يازجي كذلك أثر السياسات التجارية على الإنتاج المحلي، منتقداً ما وصفه بتشجيع الاستهلاك والاستيراد على حساب بعض القطاعات الإنتاجية.

وأشار إلى زيادة الواردات السورية من تركيا خلال الفترة الأخيرة مقابل تراجع الصادرات، محذراً من انعكاسات ذلك على الإنتاج المحلي والميزان التجاري وسعر الصرف والتضخم وسوق العمل.

وخصّ بالذكر الصناعة النسيجية، باعتبارها من القطاعات التي توفر فرص عمل واسعة، داعياً إلى سياسات أكثر دعماً للقطاعات الإنتاجية الأساسية.

في المقابل، شدد الحمدي على أن الاستثمار والإنتاج يمثلان محورين أساسيين في أي مسار للتعافي الاقتصادي، مع ضرورة إيجاد توازن بين حقوق المستثمرين وحماية الفئات الفقيرة.

لم يقتصر النقاش على السياسات المالية والدعم، إذ اعتبر الجاسم أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى إصلاح موازٍ في مؤسسات الدولة والإدارة العامة.

وأشار إلى وجود تحديات مرتبطة بالبيروقراطية وضعف الكفاءة وتضارب المصالح، معتبراً أن إصلاح الإدارة العامة ضروري لضمان تقديم الخدمات واتخاذ قرارات اقتصادية أكثر فاعلية.

كما شدد على أهمية إشراك أصحاب المصلحة في عملية صنع القرار، بما في ذلك الخبراء والنقابات والمستهلكون والقطاعات المتأثرة بالقرارات الاقتصادية.

وبحسب المتحدثين، فإن القرارات الاقتصادية في المرحلة الانتقالية لا تؤثر في الأسعار والموازنات فقط، بل قد ترسم ملامح الاقتصاد السوري لعقود، ما يجعل توسيع المشاركة في صياغتها جزءاً من عملية الإصلاح نفسها.

في ختام النقاش، طرح الحمدي تصوراً يقوم على الجمع بين دور الدولة في حماية القطاعات والخدمات الأساسية، ودور القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل والإنتاج.
وأكد أن الانتقال الاقتصادي يحتاج إلى ثلاثة عناصر مترابطة، الكفاءة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، وبناء الثقة بين المواطن والدولة.

أما الجاسم فشدد على أن نجاح الانتقال إلى اقتصاد السوق يتوقف في النهاية على قدرة الدولة على حماية من لا يستطيعون تحمل كلفة التحول، بينما حذر يازجي من أن تقليص الدعم في مجتمع فقير، من دون سياسات موازية للأجور والإنتاج والحماية الاجتماعية، قد ينقل أعباء الإصلاح إلى المواطنين الأكثر ضعفاً.

وتخلص الحلقة إلى أن السؤال الاقتصادي السوري لم يعد يدور فقط حول مقدار تدخل الدولة في السوق، بل حول شكل هذا التدخل، والفئات التي يستهدفها، وآليات اتخاذ القرار، وكيفية توزيع كلفة الإصلاح الاقتصادي وثماره، فبينما تتجه سوريا نحو نموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً، يبقى التحدي في بناء مؤسسات قادرة على الموازنة بين متطلبات الاستثمار والإنتاج والاستقرار المالي، وبين مسؤولية الدولة عن حماية الخدمات الأساسية والفئات الأكثر هشاشة.

عدد المشاهدات: 32319
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة