الاخبار المحلية > رايتس ووتش: إعادة الإعمار قد تضر بحقوق السوريين من دون ضمانات للملكية والتعويض
2026-09-27
حذّرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من أن الحكومة السورية تمضي في توقيع صفقات لإعادة الإعمار بمليارات الدولارات في وقت ما يزال فيه الإطار القانوني المنظّم للعملية يفتقر، بحسب المنظمة، إلى ضمانات كافية لحماية حقوق السوريين المتضررين، ولا سيما في قضايا السكن والأراضي والملكية والتعويض والمشاركة في اتخاذ القرارات.
وقالت المنظمة، في تقرير نشرته الأحد، إن مخطط التعافي الوطني الذي كشفت عنه الحكومة في آذار/مارس 2026 أعقبته تعهدات دولية بمليارات الدولارات من المساعدات والاستثمارات، إلا أن الأطر القانونية القائمة لا تُلزم الحكومة أو المطورين بالتشاور مع المجتمعات المتضررة، بمن فيهم النازحون الذين لم يتمكنوا بعد من العودة، قبل إقرار مشاريع إعادة الإعمار.
كما دعت إلى التفاوض على شروط التعويض بدلاً من فرضها، وإنشاء آلية مستقلة للطعن في القرارات المتعلقة بالمنازل والأراضي.
وقالت هبة زيادين، المستشارة الأولى لشؤون الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش"، إن عملية إعادة الإعمار "قد تُجحف بحق كثير من السوريين في غياب إطار حقوقي"، مشيرة إلى أن القواعد القانونية التي يجري استكمالها ستحدد، عملياً، من ستُعاد بناء منازلهم، وأي مطالبات بالملكية سيُعترف بها، ومن سيكون له صوت في العملية.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه سوريا حجم دمار هائلاً بعد أكثر من عقد من حرب النظام المخلوع على السوريين. ووفق البنك الدولي، بلغت قيمة الأضرار المادية المقدرة نحو 108 مليارات دولار، في حين قُدّرت الكلفة المتوسطة لإعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة السورية تحركت سريعاً لجذب رؤوس الأموال وإعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة، بالتوازي مع تخفيف ورفع عقوبات غربية كانت تحد من الاستثمار في سوريا.
وبحسب التقرير، تصدرت دول الخليج جانباً مهماً من التعهدات الاستثمارية، إذ تعهدت السعودية بنحو 6.4 مليارات دولار في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات والطاقة، كما سددت السعودية وقطر متأخرات سوريا لدى البنك الدولي البالغة 15.5 مليون دولار، في حين التزمت قطر باستثمارات بقيمة 4 مليارات دولار، وحصلت "موانئ دبي العالمية" الإماراتية على امتياز لمدة 30 عاماً لتشغيل ميناء طرطوس.
كما وافق البنك الدولي على مشاريع ممولة بالمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار، وأنشأ صندوق النقد الدولي برنامج تعاون تقني مع دمشق، بينما تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 620 مليون يورو للمساعدات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي خلال عامي 2026 و2027، إلى جانب خطط لعقد مؤتمر استثماري في سوريا خلال عام 2027.
ومع ذلك، لفت التقرير إلى أن قيمة التعهدات والإعلانات ما تزال تفوق بكثير حجم الاستثمارات الفعلية المنفذة على الأرض، وأن جزءاً مهماً من التمويل الدولي يبقى مرتبطاً باستكمال أطر الحوكمة والقواعد القانونية.
ووفق تقرير استندت إليه "هيومن رايتس ووتش"، عاد أكثر من 3.5 ملايين لاجئ ونازح سوري إلى مجتمعاتهم منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، إلا أن المنظمة قالت إن بعض حالات العودة لم تكن طوعية بصورة كاملة، إذ دفعت ظروف النزوح الصعبة ووقف المساعدات وارتفاع تكاليف الإيجارات وهشاشة الوضع القانوني كثيرين إلى العودة.
ولا يزال نحو 5.5 ملايين شخص نازحين داخلياً، في حين لم تحصل خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في سوريا، حتى منتصف 2026، إلا على أقل بقليل من ثلث التمويل المطلوب. كما خفّض برنامج الأغذية العالمي مساعداته الغذائية الطارئة من 1.3 مليون مستفيد إلى نحو 650 ألفاً بسبب نقص التمويل.
وقالت المنظمة إن عائدين إلى مناطقهم يجدون منازل مدمرة وقرى تفتقر إلى المياه والكهرباء والرعاية الصحية والمدارس، في وقت ما تزال فيه أعداد كبيرة من المنازعات المتعلقة بالسكن والأراضي والملكية من دون حل.
وأجرت " رايتس ووتش" بحثاً ميدانياً في سوريا خلال أيار/مايو 2026، من بينها مقابلات مع سكان قرية غدفة في ريف إدلب عادوا من مخيمات النزوح. وقال السكان إن القرية تفتقر إلى شبكة مياه جارية وكهرباء عاملة وصرف صحي مناسب ومدارس عاملة وخدمات طبية قريبة.
وبحسب رئيس المجلس البلدي في غدفة نور الدين عثمان، كانت القرية تضم قبل الحرب نحو 8500 نسمة وخمس مدارس على الأقل ومستشفى يخدم المنطقة، بينما يقدر عدد سكانها حالياً بنحو 13 ألف شخص. وقال إن سبعة منازل فقط، من أصل نحو 1500 منزل، تملك أسقفاً إسمنتية، في حين اضطر عدد كبير من السكان إلى نصب خيام في أماكن منازلهم السابقة أو فوق أبنية متضررة بلا أسقف.
وبناء على ذلك، دعت "رايتس ووتش" الحكومة إلى التعامل مع إعادة الخدمات العامة باعتبارها "التزاماً حقوقياً فورياً"، وليس مرحلة يمكن تأجيلها إلى وقت لاحق من عملية إعادة الإعمار.
وذكرت مثال حول نسب التعويضات حي جوبر شرقي دمشق، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 95% من المباني تعرضت للدمار، قالت المنظمة إن السكان أبلغوا بأنهم لا يستطيعون إعادة بناء منازلهم بصورة فردية، في ظل مشروع مقترح لإعادة تطوير المنطقة.
وبحسب المعلومات التي أوردها التقرير، فإن مالكي المنازل السابقين سيحصلون، وفق التصور المطروح، على وحدات سكنية جديدة تعادل 50% فقط من مساحة مساكنهم السابقة، في حين يحصل سكان المناطق العشوائية على ما يعادل 30% من مساحة أراضيهم من دون احتساب المنشآت المبنية عليها، بينما لا يحصل المستأجرون على تعويض مماثل.
ورأت المنظمة أن هذه النماذج تظهر خطورة اتخاذ قرارات إعادة الإعمار قبل إنشاء آليات واضحة للتشاور والتعويض وتسوية المنازعات.
وتوقف تقرير المنظمة عند المرسوم 66 الصادر في عهد نظام الأسد المخلوع عام 2012، والذي استُخدم كأساس قانوني لإنشاء مشاريع من بينها "ماروتا سيتي" و"باسيليا سيتي" في دمشق.
وقالت المنظمة إن المرسوم تسبب في تهجير آلاف الأشخاص من دون ضمان الإجراءات القانونية الكافية أو تقديم تعويض مناسب، وإن الحكومة السورية لم تلغه حتى الآن. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، علّق محافظ دمشق تطبيقه بانتظار مراجعة قانونية، من دون صدور مرسوم رئاسي يحسم وضعه النهائي.
كما أشارت إلى القانون رقم 10 لعام 2018، الذي وسّع نموذج المرسوم 66 إلى مناطق أخرى من سوريا، وألزم السكان بإثبات حقوق الملكية ضمن مهلة محدودة، وهو ما قالت المنظمة إنه ألحق ضرراً أكبر بالنازحين الذين تعذر على كثير منهم تقديم الوثائق المطلوبة.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، شُكلت لجنة رئاسية لمراجعة إجراءات المرسوم 66، وصدرت بعض قرارات التعويض في أيار/مايو الماضي، لكن المنظمة تقول إن الإطار القانوني لمشروعي "ماروتا سيتي" و"باسيليا سيتي" ما يزال غير محسوم بصورة نهائية.
وأجرت المنظمة مقابلة مع ناشط يطالب بإلغاء المرسوم 66 وإعادة حقوق الملكية للمتضررين في "ماروتا سيتي"، وقال إن محاولات الاعتراض عبر القنوات الرسمية لم تحصل على استجابة.
ونقلت عنه قوله إن المتضررين فوجئوا باستمرار شركة "دمشق الشام القابضة" في الترويج لفرص استثمارية تشمل أراضيهم، وإنهم التقوا وزير العدل الذي وعد بإحالة القضية إلى الرئاسة، "لكن ذلك بقي مجرد وعد"، بحسب شهادته.
وقالت "هيومن رايتس ووتش" إنه لا توجد حتى الآن قناة رسمية مستقلة تتيح للمجتمعات المتضررة الاعتراض على القرارات الكبرى المتعلقة بإعادة الإعمار، ما دفع سكاناً في عدة مناطق إلى الاعتماد على الاحتجاج والضغط عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الوساطة السياسية.
ويتناول التقرير أيضاً ملف عودة اللاجئين والنازحين، مؤكداً أن المعايير الدولية تقتضي أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة، وأن يتخذ الأشخاص قرارهم بالعودة بحرية وبناء على معلومات كافية، لا نتيجة تدهور ظروفهم في مناطق النزوح أو بلدان اللجوء.
وأشارت المنظمة إلى مسح أجرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أيلول/سبتمبر 2025، أظهر أن 18% من اللاجئين السوريين الذين شملهم المسح أعربوا عن رغبتهم في العودة خلال 12 شهراً، في حين تصدرت مشكلات السكن ومحدودية فرص العمل ونقص الموارد المالية وضعف الخدمات الأساسية قائمة مخاوف الراغبين في العودة.
ولفت التقرير كذلك إلى مبادرة الحكومة "سوريا بلا مخيمات"، التي تهدف إلى إنهاء مخيمات النزوح بحلول عام 2027، لكنه حذّر من أن عدداً من المجتمعات التي يُتوقع أن يعود إليها النازحون لا تزال تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات التي تتيح مستوى معيشياً مناسباً.
دعت المنظمة الحكومة السورية إلى إدراج مشاركة المجتمعات المحلية بصورة ملزمة في قوانين وخطط إعادة الإعمار، وألا يُعتمد أي مشروع أو يُعرض على المستثمرين قبل التشاور مع السكان المتضررين.
كما طالبت بإعطاء الأولوية لإعادة الممتلكات إلى أصحابها وعودة النازحين، واعتماد معايير عادلة وواضحة للتعويض عندما يتعذر رد الملكيات، على أن تشمل الحماية أيضاً أصحاب الحقوق غير الرسمية والمستأجرين.
وأوصت بفرض وقف مؤقت لعمليات الهدم في المناطق التي لم تُحسم فيها ترتيبات الملكية والتعويض، وإلغاء المرسوم 66 والقانون رقم 10 لعام 2018 أو إخضاعهما لمراجعة مستقلة، فضلاً عن إنشاء آليات تظلم مستقلة وميسرة وربط إعادة الإعمار بملفات العدالة الانتقالية، وإعطاء أولوية فورية لإعادة المياه والكهرباء والمدارس والخدمات الصحية إلى مناطق العودة.
وطالبت المنظمة المانحين والمستثمرين الدوليين بجعل احترام حقوق الإنسان شرطاً لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، وإجراء تقييمات مسبقة للأثر الحقوقي في المناطق التي لا تزال فيها نزاعات على الملكية أو قضايا نزوح غير محسومة، وعدم فصل الاستثمارات في البنية التحتية عن تمويل الخدمات العامة والاحتياجات الإنسانية.
كما دعت المؤسسات المالية الدولية إلى إدماج ضمانات السكن والأراضي والملكية وتقييمات الأثر الحقوقي في برامج التمويل والمساعدة الفنية، ودعم إنشاء آلية مستقلة لتسوية منازعات الملكية.
أما الشركات والجهات المالية، فطالبتها المنظمة بإجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان قبل توقيع اتفاقات إعادة الإعمار، والتحقق من معالجة النزاعات على الملكية ووجود تشاور فعلي مع المجتمعات المتضررة وآليات واضحة للتظلم والتعويض.
وختمت زيادين بالتأكيد أن الأطر القانونية لإعادة الإعمار ما تزال قيد الصياغة، معتبرة أن ذلك يمثل فرصة للحكومة والمجتمع الدولي لبناء ضمانات تحمي السكان المتضررين، وقالت إن "التعافي المستدام" يرتبط بطريقة إدارة هذه المرحلة وحماية الحقوق خلالها.