منوعات > تهديد جديد يطول الوردة الدمشقية: من إرثٍ تاريخي إلى ضحية للتغير المناخي
2026-06-02
تواجه الوردة الدمشقية اليوم تحدياً جديداً يهدد بقاءها، ويتمثل في التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الهطول المطري، في وقت تراجع معه إنتاجها ومساحات زراعتها داخل سوريا.
تُعد هذه الوردة من أقدم النباتات العطرية المرتبطة بالمنطقة، وقد أشار إليها عالم الطبيعة الروماني بيلينوس الأكبر في القرن الأول الميلادي ضمن كتابه التاريخ الطبيعي. كما ارتبطت لاحقاً بالطب العربي في العصور الوسطى، حيث استُخدمت في وصفات علاجية مرتبطة بالقلق وآلام المعدة.
وعبر القرون، اكتسبت الوردة حضوراً ثقافياً ورمزياً واسعاً، خصوصاً في السياقات الصوفية التي ربطت بين العطر والنقاء الروحي، قبل أن تتحول إلى أحد أبرز الرموز الزراعية والعطرية في بلاد الشام.
تنتشر روايات تاريخية وشعبية حول استخدام ماء الورد في مناسبات تاريخية كبرى، من بينها قصص تُنسب إلى العصر الأيوبي، إلا أن كثيراً من هذه التفاصيل لا يستند إلى توثيق تاريخي مباشر، بل إلى روايات متداولة في الأدبيات الثقافية.
وفي العصور اللاحقة، انتقلت زراعة الوردة الدمشقية إلى أوروبا، حيث استقرت بشكل خاص في مدينة غراس الفرنسية التي تعتبر عاصمة صناعة العطورات في العالم.
تشير بيانات زراعية حديثة إلى أن سوريا شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً في معدلات الهطول المطري، وصل في موسم 2024-2025 إلى نحو 60% مقارنة بالمعدل السنوي، بالتزامن مع تراجع إنتاج محاصيل استراتيجية أخرى مثل القمح.
وينعكس هذا التغير مباشرة على زراعة الوردة الدمشقية، إذ تشير تقديرات ميدانية إلى أن المساحات المزروعة بها انخفضت من نحو 270 هكتاراً قبل عام 2011 إلى ما يقارب 120 هكتاراً في الوقت الحالي. كما تراجع العمر الإنتاجي لشجيرات الورد من نحو ستين عاماً إلى قرابة 25 عاماً في بعض المناطق، نتيجة الإجهاد الحراري وتذبذب المياه.
في سياق آخر، يواجه المزارعون منافسة من أصناف ورد عطرية أخرى ذات إنتاجية أعلى، وخاصة الوردة السعودية التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي والتي تتميز بإنتاجية أكبر للهكتار الواحد مقارنة بالوردة الدمشقية التقليدية.
لكن خبراء زراعيين حذروا بالمقابل من أن الوردة الدمشقية تمتلك خصائص وراثية مرتبطة بتحمل الجفاف وجودة الزيوت العطرية، ما يجعل استبدالها أو استنساخها أمراً شبه مستحيل من الناحية العلمية.
في مواجهة هذه التحديات، لجأ عدد من المزارعين في ريف دمشق إلى حلول فردية، من بينها استخدام أنظمة ري تعتمد على الطاقة الشمسية لضخ المياه، بكلفة وصلت في بعض الحالات إلى نحو 7 آلاف دولار للمزرعة الواحدة.
كما يجري الحديث عن أهمية تطوير البنية التحتية لمياه الري، وتوسيع استخدام تقنيات الري بالتنقيط، إضافة إلى إدخال أساليب زراعية أكثر مقاومة للجفاف، ضمن خطط أوسع لإعادة تأهيل القطاع الزراعي.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الزراعة عن خطط تتضمن استصلاح مساحات جديدة وتوزيع شتلات من الوردة الدمشقية على المزارعين، في محاولة لدعم استمرار هذا المحصول التقليدي.
في إحدى المزارع جنوب دمشق، تعمل رولا علي ديب على توسيع زراعة الوردة الدمشقية، حيث لا تزال عملية تقطير ماء الورد مستمرة رغم التحديات الاقتصادية والمناخية.
وبينما تتصاعد رائحة ماء الورد من المعامل الريفية، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع الوردة الدمشقية، بما تحمله من قيمة تاريخية وثقافية واقتصادية، أن تصمد أمام التحولات المناخية، وتستمر كجزء من الهوية الزراعية السورية في العقود القادمة؟