2026-04-02
مر أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، وما تزال سوريا إلى حد كبير معزولة عن النظام المالي العالمي، ما يحبط الأمل في حدوث انتعاش اقتصادي يعود بالنفع على السوريين ويدفع البلد نحو الإسهام في الاستقرار الإقليمي بدلاً من أن الوقوف في طريقه.

يأتي ذلك رغم التخفيف الواسع للعقوبات في عام 2025، وذلك عندما رفعت معظم تصنيفات الإرهاب والقيود عن القطاعات الرئيسية، وخففت بعض قيود التصدير الأميركية. وكان هذا التراجع ملحوظًا بشكل خاص، لأنه جاء نتيجة لمبادرة أحادية، لا عبر تنسيق بين واشنطن ولندن وبروكسل.

لكن تبين بأن تحول بنية العقوبات في سوريا شرط ضروري ولكنه غير كافٍ لعودة البلاد إلى حضن الاقتصاد العالمي. إذ تحتاج سوريا إلى إعادة ربط بالمصارف الغربية ذات الحضور العالمي وإبرام صفقات مع المستثمرين، بما في ذلك الشركات الكبرى التي تتعامل بالدولار الأميركي، وذلك حتى يتمكن هذا البلد من المضي قدماً في عملية إعادة الإعمار التي تقدر كلفتها بما يصل إلى 215 مليار دولار. ولتحقيق ذلك، يعتبر الاستقرار السياسي والأمني في سوريا أمراً أساسياً، كما أن التقدم الدولي في مجالي التنظيم والحكومة مندوب أيضاً.

أولاً، ورغم التخفيف الأخير للعقوبات، لا تزال قيود عديدة تمنع المصارف والشركات الغربية من الانخراط بحرية في الاقتصاد السوري، بما في ذلك تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب والقيود الصارمة المتبقية على عمليات التصدير الأميركية. كما تستمر العقوبات على شكل مئات التصنيفات للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، تلك التصنيفات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، إلى جانب الخروج بمجموعة معايير تضع أهداف سورية الجديدة ضمن قائمة محددة.

تضيف قواعد السيطرة والملكية مزيدًا من التعقيد والمخاطر على القيام بعمل تجاري في سوريا، ما يجعل من تعزيز الاجتهاد الواجب على الأرض ضرورة في معظم الحالات، وذلك لضمان عدم ارتباط الأشخاص أو الكيانات الخاضعة للعقوبات بأنشطة خلف الكواليس. وما تزال بعض تفويضات الكونغرس الأميركي سارية، ما يتيح للبيت الأبيض إصدار تصنيفات جديدة إن رغب في ذلك، كما أن المبالغة في الامتثال لتلك القيود يعتبر واقعاً يحتاج إلى مزيد من الإجراءات الحكومية لطمأنة القطاع الخاص.

ثانيًا، بعد 40 عاماً من الحكم الاستبدادي والعزلة الناتجة عن العقوبات المشددة، ما يزال هناك الكثير لإنجازه في حين يخص بيئة الأعمال والتنظيم في سوريا. ويكتسب الإصلاح أهمية خاصة في ما يتعلق بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد وغيرها من الجرائم المالية، وهي قضايا أساسية في برامج الامتثال وإدارة المخاطر بالنسبة للمصارف وذلك عند محاولة إعادة إنشاء حسابات مصرفية مراسلة مباشرة وآمنة وموثوقة مع سوريا. إذ من دون علاقات مصرفية دولية عابرة للحدود، ستجد الشركات والمستثمرون الأجانب صعوبة في ضخ رؤوس الأموال في الاقتصاد السوري، حتى لو تمكنوا من التعامل مع العقوبات والقيود المتبقية.

ثمة خبر مفرح وهو أن دمشق لديها حماس كبير لمواجهة هذه التحديات. ففي أيار 2025، أعلن حاكم المصرف المركزي السوري عبد القادر حصرية بأن إعادة بناء النظام المالي و"دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي" أمر أساسي للاستفادة من التخفيف الجزئي للعقوبات. وأشار إلى أنه " لابد من تحسين معايير الحوكمة" وأن "البلاد ستحتاج إلى رأس مال خارجي، عام وخاص، وهو ما يتطلب المصداقية والشفافية في المالية العامة، كما يحتاج إلى حماية قانونية واضحة للمستثمرين، وضمانات قوية لمكافحة غسل الأموال". ومنذ ذلك الحين، كلف حصرية شركة الاستشارات الأميركية Oliver Wyman بإجراء تقييم للفجوات لتحديد ما يجب على المصرف المركزي القيام به لتحقيق المعايير الدولية.

قوبل ذلك المسعى بدعم من الجهات العامة والخاصة على حد سواء. فبعد زيارة لسوريا في شباط، اتفق صندوق النقد الدولي مع دمشق على تنفيذ "برنامج مساعدة تقنية موسع"، ويشمل ذلك "إصلاحات في القطاع المالي دعماً لاستراتيجية البنك المركزي السوري خلال الفترة 2025–2030"، مع التركيز على "إعادة تأهيل النظام المصرفي وأنظمة الدفع وتمكين الإشراف المصرفي". كما أبرم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي شراكة استراتيجية مع المصرف المركزي السوري لـ"وضع أسس قطاع مالي مرن وشفاف".

هناك حاجة أيضاً لتخفيف القيود المتبقية التي ما تزال تعيق الاستثمار في سوريا، ويشمل ذلك النظر من جديد في مسألة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب وفق تقييم أميركي موجود حالياً أو بموجب الشهادة السنوية القادمة المنصوص عليها في قانون التحكم بصادرات الأسلحة. كما يوجد مجال لتخفيف قيود التصدير الأميركية، رغم أن التخفيف الذي دخل حيز التنفيذ في أيلول من عام 2025 مثل خطوة مهمة، نظراً لتزايد الاستعانة بقيود التصدير كأداة للحرب الاقتصادية في مختلف بقاع العالم. ومع ذلك، فإن تصدير وإعادة تصدير ونقل السلع ذات الاستخدام المزدوج والمنشأ الأميركي إلى داخل سوريا، والمدرجة على قائمة الرقابة التجارية التابعة لمكتب الصناعة والأمن، ما تزال جميعها تخضع لقيود كبيرة. كما أن (إعادة) تصدير السلع ذات المنشأ الأميركي إلى سوريا يخضع لأدنى عتبة من قاعدة الحد الأدنى (10 بالمئة)، وما يزال يتطلب استصدار تراخيص فردية، وهنالك شروط مفروضة على استثناءات التراخيص المتاحة، إلى جانب عدة قيود قائمة في حين يتعلق بالاستخدام والمستخدم النهائي للمنتج.

هذا وتظل الشفافية والتوجيه من السلطات التي تفرض العقوبات بشأن التصنيفات التي تستهدف شخصيات طبيعية واعتبارية في سوريا أمراً مهماً للحد من الضرر الكبير الذي تخلفه أي قائمة جديدة، وينطبق الأمر نفسه على القرارات القانونية المتعلقة بالطعن بالتصنيفات أمام المحاكم الأوروبية.

تشير الأنباء الأخيرة إلى أن المصرف المركزي السوري قد "استكمل الإجراءات اللازمة لتسوية علاقته المصرفية مع البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وإعادة فتح حسابه لديهم»، وهي خطوة مهمة إلى الأمام تُظهر أن التقدم ممكن. لكن مهمة إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي يجب أن تستمر. بحيث لا يقتصر ذلك على الحكومة السورية وحدها، بل يشمل أيضًا عددًا من الجهات الدولية في القطاعين العام والخاص التي تمتلك القدرات المؤسسية والخبرة اللازمة لدعم جهود سوريا نحو تحقيق حالة مشاركة كاملة على المستوى المالي. وسيكون التنسيق والانسجام بين هذه الجهات أمراً حاسماً في الأشهر المقبلة لضمان أن تكون الجهود في الوقت المناسب وبالكفاءة المطلوبة، بما يخدم الاقتصاد السوري وجميع السوريين.



المصدر: The Lawfare

عدد المشاهدات: 84753
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة