2026-09-21
أعادت حادثة تعرض الكبل البحري الدولي الرابط بين طرطوس والإسكندرية لعمل تخريبي، وما نتج عنها من خروج جزء من السعات الدولية من الخدمة، تسليط الضوء على بنية الربط الدولي للإنترنت في سوريا، ومدى اعتمادها على عدد محدود من المسارات، وقدرتها على الاستمرار عند حدوث أعطال في أحدها.

وتعمل وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، بالتعاون مع الشركة السورية للاتصالات، على عدد من المشاريع الهادفة إلى زيادة السعات الدولية وتنويع مسارات الربط مع الخارج، بالتوازي مع تحديث شبكة النقل الوطنية التي تتولى نقل هذه السعات إلى المدن ومزودي الخدمات والمستخدمين.

وتشمل المشاريع إنشاء كبلات بحرية جديدة، وتوسيع الربط البري مع دول الجوار، وتطوير البوابة الدولية للإنترنت، إلى جانب إنشاء شبكة وطنية للألياف الضوئية تربط محطات الإنزال البحرية بالمدن ومراكز البيانات والمنافذ الحدودية.

ويبرز بين هذه المشاريع كبل "إيبلا" البحري الجديد بين سوريا وقبرص، الذي أعلنت الوزارة توقيع اتفاقية إنشائه في 13 أيلول 2026، على أن يدخل الخدمة، وفق الخطط المعلنة، مطلع عام 2028، بسعة أولية تبلغ 31 تيرابت في الثانية، قابلة للزيادة مستقبلاً إلى 370 تيرابت.

تعتمد الاتصالات الدولية بدرجة كبيرة على كبلات بحرية تتكون من ألياف ضوئية تمتد في قاع البحر بين محطات إنزال موزعة في عدة دول.

وتنقل هذه الألياف كميات كبيرة من البيانات بين شبكات الاتصالات ومراكز البيانات ومشغلي الإنترنت، فيما تسمح تقنيات النقل الضوئي الحديثة، ومنها تقنية "DWDM"، باستخدام أطوال موجية متعددة ضمن الألياف نفسها ورفع قدرة الكبلات على نقل البيانات إلى مستويات مرتفعة.

ولا تنتقل بيانات المستخدم في سوريا مباشرة عبر كبل دولي واحد، وإنما تمر بداية عبر الشبكات المحلية، ثم شبكة النقل الوطنية، فالربط والبوابات الدولية، ومنها إلى الكبلات البحرية أو المسارات البرية، قبل الوصول إلى الشبكات ومراكز البيانات خارج البلاد.

ومن حيث المبدأ، يمكن تحويل حركة البيانات إلى مسارات بديلة عند تعطل أحد المسارات الدولية، لكن تأثير العطل يعتمد بدرجة كبيرة على السعة المتوافرة في تلك المسارات.

فإذا كانت السعات الاحتياطية أقل من حجم الحركة التي كانت تمر عبر المسار المتعطل، قد تشهد الشبكة ازدحاماً وانخفاضاً في السرعات وارتفاعاً في زمن الاستجابة، إلى جانب تأثر بعض الخدمات والوجهات الدولية.

ولهذا لا تقوم موثوقية الشبكة على وجود مسار بديل فقط، وإنما على توفير مسارات متعددة قادرة على استيعاب حركة البيانات عند حدوث أعطال.

يعد كبل "أوغاريت" (UGARIT) أحد أبرز مسارات الربط البحري المستخدمة حالياً، ويربط محطة الإنزال في طرطوس بمحطة بنتاسكيناوس في قبرص، ودخل الكبل الخدمة عام 1995، ويبلغ طوله نحو 239 كيلومتراً.

ورغم عمره الذي يتجاوز ثلاثة عقود، خضعت تجهيزاته لعمليات تحديث وتوسعة سمحت برفع كمية البيانات التي يمكن نقلها عبره.

وبحسب المعطيات الواردة بشأن المشروع، كانت سعته التشغيلية تبلغ نحو تيرابت واحد في الثانية، قبل أن تؤدي عمليات تطوير المعدات وتوسيع السعات خلال صيف عام 2025 إلى رفعها إلى نحو اثنين تيرابت في الثانية.

ويشكل "أوغاريت" في الوقت الحالي أحد المسارات الرئيسية لحركة الإنترنت الدولية في سوريا.

إلى جانب "أوغاريت"، تعتمد سوريا على كبل "أليتار" (ALETAR)، الذي يربط طرطوس بمدينة الإسكندرية في مصر، وهو الكبل الذي أعادت الحادثة الأخيرة ملف بنيته ودوره في الشبكة السورية إلى الواجهة.

ودخل "أليتار" الخدمة عام 1997، ويبلغ طوله نحو 787 كيلومتراً، فيما تبلغ سعته التشغيلية الحالية نحو 200 غيغابت في الثانية.

ويحد عمر الكبل وطوله، مقارنة بالكبلات البحرية الحديثة، من إمكانات توسيع قدرته مستقبلاً.

وأظهرت حادثة خروجه الجزئي من الخدمة أن وجود كبلين أو أكثر لا يعني بالضرورة زوال خطر تأثر الإنترنت، إذ ترتبط قدرة الشبكة على تجاوز العطل بحجم الحركة الموزعة على كل مسار والسعات التي تستطيع المسارات الأخرى استيعابها.

تتركز المشكلة في بنية الربط الدولي الحالية في محدودية عدد المسارات وتفاوت السعات بينها.

فعند تعطل مسار يحمل نسبة كبيرة من حركة الإنترنت، تضطر الشبكة إلى إعادة توجيه الحركة عبر مسارات أخرى، وقد يؤدي ذلك إلى اختناقات إذا لم تكن لديها سعات كافية.

وتقوم الخطة التي تعمل عليها وزارة الاتصالات على الانتقال إلى شبكة أكثر تنوعاً تجمع بين الكبلات البحرية الحديثة، والمسارات البرية الإقليمية، وشبكة نقل وطنية قادرة على استيعاب السعات الجديدة وتوزيعها.

يمثل كبل "إيبلا" (Ebla) أبرز مشاريع الربط البحري الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الاتصالات، ووقعت اتفاقية إنشاء الكبل بين الشركة السورية للاتصالات، وهيئة الاتصالات القبرصية "Cyta"، وشركة "UNIFI Communications, Inc" الأميركية.

وسيربط الكبل بين طرطوس ومحطة بنتاسكيناوس في قبرص، ما يوفر مساراً بحرياً مباشراً جديداً إلى الجزيرة ومنها إلى شبكات الاتصالات الأوروبية والعالمية.

ويتألف النظام، وفق المعلومات المعلنة، من 24 زوجاً من الألياف الضوئية، على أن يبدأ التشغيل بسعة تصل إلى 31 تيرابت في الثانية، مع إمكانية رفعها مستقبلاً إلى نحو 370 تيرابت في الثانية، وتستهدف الجهات المنفذة أن يدخل الكبل الخدمة مطلع عام 2028.

ولا تقتصر أهمية "إيبلا" على زيادة السعة الدولية المتاحة لسوريا، إذ يضيف نظاماً بحرياً جديداً إلى بنية الربط القائمة، ما يرفع عدد الخيارات المتاحة لتوجيه حركة البيانات عند تعطل أحد المسارات.

بحسب وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، بدأت التحضيرات التنفيذية للمشروع، وشملت طلب المعدات البحرية من منشأة "NSW" التابعة لشركة "Prysmian"، واختيار شركة "Elettra" لتنفيذ أعمال مد الكبل وتركيبه بحرياً.

كما ستتولى شركة "Nokia" توريد تجهيزات الإرسال الضوئي الخاصة بالمشروع.

وتتواصل كذلك أعمال المسح البحري للمسار بين قبرص وطرطوس، بالتوازي مع برنامج تصنيع الكبل.

ومن المخطط أن تتبع ذلك مراحل التركيب والاختبارات والتشغيل التجريبي، تمهيداً لوضع المشروع في الخدمة مطلع عام 2028، مع بقاء الموعد مرتبطاً باستكمال التراخيص ومراحل التنفيذ وتوافر سفن مد الكبل والظروف البحرية المناسبة.

ولا تتوقف خطة توسيع الربط البحري عند "إيبلا"، إذ تعمل الوزارة أيضاً على إنشاء محطة إنزال سورية مرتبطة بكبل "ميدوسا" (Medusa)، ويهدف المشروع إلى توفير خيارات إضافية للربط في البحر المتوسط، وتوسيع عدد الوجهات التي يمكن لسوريا من خلالها الوصول إلى شبكات النقل الدولية.

وتزداد أهمية تعدد أنظمة الكبلات البحرية عندما ترتبط بمسارات ووجهات مختلفة، إذ يسمح ذلك بإعادة توزيع حركة البيانات بين أكثر من طريق عند حدوث أعطال أو ازدحامات.

غير أن زيادة السعات القادمة عبر البحر لا تعني وحدها تحسن خدمة الإنترنت داخل البلاد، إذ تحتاج هذه السعات إلى شبكة محلية قادرة على نقلها من محطات الإنزال إلى المدن ومراكز البيانات وشركات الاتصالات ومزودي الخدمات.

ولهذا تعمل الوزارة على مشروع "سيلك لينك" (SilkLink)، وهو شبكة وطنية أساسية للألياف الضوئية بنظام مفتوح النفاذ. ومن المقرر أن تربط الشبكة محطات الإنزال البحرية بالمدن ومراكز البيانات ومشغلي الاتصالات، وصولاً إلى المنافذ البرية الحدودية.

ويهدف المشروع إلى رفع قدرة شبكة النقل الوطنية على التعامل مع الزيادة المتوقعة في السعات الدولية وتوزيعها، بحيث لا تبقى الزيادة المتاحة عند محطة الإنزال أعلى من قدرة الشبكة الداخلية على نقلها إلى بقية المناطق.

بالتوازي مع المشاريع البحرية، تعمل وزارة الاتصالات على توسيع مسارات الربط البري الإقليمي. ومن بين المشاريع المطروحة مسار ربط مع تركيا يبدأ بسعة تبلغ 200 غيغابت في الثانية، مع إمكانية رفعها تدريجياً إلى 800 غيغابت في الثانية.

ويضيف الربط البري مساراً مختلفاً عن الكبلات البحرية، ما يساهم في تقليل الاعتماد على اتجاه واحد في نقل حركة الإنترنت الدولية.

كما تعمل الوزارة، وفق خطتها المعلنة، على خيارات أخرى للربط الإقليمي بهدف زيادة عدد المسارات الدولية المتاحة.

إلى جانب الكبلات البحرية والبرية، تحتاج السعات الجديدة إلى تجهيزات قادرة على استقبالها وإدارة حركة البيانات داخل البلاد.

وتعمل الوزارة لذلك على تطوير تجهيزات البوابة الدولية للإنترنت، على أن تصل قدرتها الاستيعابية المستهدفة إلى 5000 غيغابت في الثانية، أي ما يعادل 5 تيرابت في الثانية، لكن هذه القدرة لا تعني أن سوريا تمتلك حالياً 5 تيرابت في الثانية من السعات الدولية الفعلية.

فالرقم يشير إلى قدرة تجهيزات البوابة المستهدفة على معالجة هذا المستوى من الحركة، في حين ترتبط كمية السعات الدولية المتاحة فعلياً بحجم الربط الذي يتم شراؤه أو تشغيله عبر المسارات البحرية والبرية المختلفة.

تستهدف مشاريع تطوير الشبكة، في حال استكمالها وتشغيلها بالسعات المعلنة، تقليل أثر الأعطال التي تصيب أحد مسارات الربط الدولي عبر توفير خيارات بديلة لنقل البيانات.

كما يمكن أن تساعد زيادة السعات وتوسيع شبكة النقل الوطنية على تقليل الاختناقات وتحسين أداء خدمات الفيديو والحوسبة السحابية والعمل عن بعد والخدمات الرقمية.

ومن شأن تعدد المسارات الدولية أيضاً توفير خيارات أكبر أمام مشغلي الاتصالات ومزودي الخدمات للحصول على السعات، إلى جانب توفير البنية اللازمة لتوسيع شبكات الألياف الضوئية وخدمات الإنترنت الثابت والاتصالات الخلوية.

ويرتبط ذلك كذلك بإمكان تطوير مراكز البيانات والخدمات السحابية داخل سوريا، باعتبارها تحتاج إلى شبكات داخلية وخارجية ذات سعات مرتفعة واستقرار أكبر في الاتصال.

تكشف حادثة كبل طرطوس والإسكندرية أن زيادة موثوقية الإنترنت لا تعتمد على حجم السعة في كبل واحد فقط، وإنما على توزيع حركة البيانات بين عدة مسارات قادرة على تعويض بعضها عند حدوث الأعطال.

وتتجه البنية الدولية للاتصالات في سوريا، وفق المشاريع المعلنة، إلى الجمع بين "أوغاريت" عبر قبرص و"أليتار" عبر مصر، وإضافة كبل "إيبلا" الجديد، ومحطة على كبل "ميدوسا"، إلى جانب مسارات الربط البري وشبكة "سيلك لينك" الوطنية.

وبذلك تسعى المشاريع الجديدة إلى الانتقال من الاعتماد على عدد محدود من نقاط الربط إلى منظومة متعددة المسارات وأكثر قدرة على التوسع.

ويبقى انعكاس هذه المشاريع على جودة الإنترنت لدى المستخدم مرتبطاً ليس فقط بالسعات الاسمية للكبلات الدولية، وإنما أيضاً بحجم السعات التي ستدخل الخدمة فعلياً، وقدرة شبكة النقل الوطنية على توزيعها، وتوافر مسارات احتياطية كافية لاستيعاب الحركة عند حدوث الأعطال.

عدد المشاهدات: 31920
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة