سياسة > "الضغط المعاكس".. كيف تعيد واشنطن صياغة سياستها تجاه سوريا؟
2026-07-28
تنطلق السياسة الأميركية تجاه سوريا من قناعة مفادها أن الدبلوماسية الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف المنشودة، وفي هذا السياق، عُقد أول منتدى أعمال سوري–أميركي في 13 تموز 2026 بفندق "الداما روز" في دمشق، في خطوة عكست توجهاً عملياً نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وجمع المنتدى مسؤولين سوريين وأميركيين، إلى جانب رجال أعمال ومستثمرين، ونظمته وزارة الاقتصاد والصناعة بالتعاون مع مجلس الأعمال السوري–الأميركي. وناقش المشاركون تحسين بيئة الاستثمار، وإعادة دمج القطاع المصرفي، وأولويات الإصلاح الاقتصادي، وهي ملفات تندرج عادة ضمن دبلوماسية الأعمال في مراحل ما بعد النزاعات.
إلا أن موقع "مودرن دبلوماسي" (Modern Diplomacy) قدّم قراءة للمنتدى في ضوء التطورات التي شهدها العالم خلال العام ونصف العام الماضيين، ورأى أنه يتجاوز كونه فعالية اقتصادية منفردة، ليعكس تحولاً أوسع في المقاربة الأميركية تجاه سوريا. ويتمثل هذا التحول في الانتقال تدريجياً من سياسة العقوبات والعزلة إلى تشجيع الاستثمار وتمويل إعادة الإعمار، فضلاً عن توسيع دور القطاع الخاص بوصفه إحدى الأدوات الرئيسية للسياسة الأميركية الجديدة.
ولم يكن المنتدى هو الذي أطلق هذا التحول، بقدر ما جاء ليكرسه ويمنحه طابعاً مؤسسياً وعلنياً، ومن ثم، فإن فهم دوافع واشنطن للانخراط في هذا المسار، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، ومدى احتمالات نجاحه، يتطلب وضع المنتدى ضمن الإطار الأوسع للدبلوماسية الاقتصادية التي باتت سمة بارزة في نهج إدارة ترامب تجاه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد.
استندت السياسة الأميركية تجاه سوريا على نظام عقوبات شامل امتد لما يقرب من عقدين من الزمن، وبلغ ذروته عند إقرار قانون قيصر لحماية المدنيين عام 2019، والذي أجاز فرض عقوبات ثانوية على أي كيان، أميركياً كان أم غير أميركي، يشارك بصورة فعلية في التعامل مع حكومة نظام الأسد. وبشكلها المجرد، مثلت تلك السياسة نموذجاً لحالة العزل القسري، كونها سعت لحرمان النظام من الموارد وتجريده من الشرعية عبر فصل سوريا عن النظام المالي الدولي.
اعتمد هذا النهج على مبدأ أساسي يرى بأن الجهة المستهدفة ستبقى قائمة ومستمرة في الحكم، إلا أن انهيار نظام الأسد في كانون الأول 2024، بفضل الهجوم الذي قادته هيئة تحرير الشام، بدد ذلك المبدأ، فتلاشى معه المنطق الاستراتيجي الذي يحتم الاحتفاظ بمنظومة عقوبات وضعت لمعاقبة جهة لم تعد موجودة.
وعلى نحو متدرج ومدروس، بدأت عملية تفكيك تلك المنظومة، إذ في أيار 2025، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية الرخصة العامة رقم 25، التي تبيح التعامل مع الحكومة السورية الجديدة والمصرف المركزي ومؤسسات الدولة السورية، وتزامن ذلك مع إصدار وزارة الخارجية الأميركية لإعفاء مدته 180 يوماً من العقوبات التي ينص عليها قانون قيصر.
وفي 30 حزيران 2025، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأمر التنفيذي رقم 14312 الذي أنهى رسمياً برنامج العقوبات المفروضة على سوريا، وأخرج 518 شخصاً وكياناً من قائمة العقوبات التي وضعتها وزارة الخزانة الأميركية. وفي الوقت ذاته، احتفظ الأمر التنفيذي بصلاحية فرض العقوبات على من كانوا مسؤولين في الحقبة الأسدية، إلى جانب القدرة على فرض عقوبات على كل من ينتهك حقوق الإنسان ومن تورطوا بالإتجار بالكبتاغون.
وخلال السنة المالية لعام 2026، ألغى الكونغرس الأميركي قانون قيصر والأحكام ذات الصلة في قانون تفويض الدفاع الوطني، وبذلك أزيل الأساس التشريعي الذي أباح فرض عقوبات ثانوية كان لها دور في منع المصارف والشركات من دخول السوق السورية بعد تخفيف القيود عن سوريا بموجب قرارات تنفيذية.
وفي 8 تموز 2026، وخلال قمة حلف شمال الأطلسي بتركيا، أبلغ ترمب الرئيس السوري أحمد الشرع بعزمه على اتخاذ إجراءات لإلغاء تصنيف سوريا ضمن الدول الراعية للإرهاب، بعد أن فرض هذا التصنيف على سوريا للمرة الأولى في عام 1979، وظل يعتمد كمصدر للمخاطر القانونية أمام بعض الشركات التي بدأت بالبحث في فرص الاستثمار بالأسواق السورية، وعلى رأسها شركة شيفرون وكونوكوفيليبس.
أزال كل إجراء من تلك الإجراءات عقبة قانونية كانت تعترض سبيل التعامل الاقتصادي مع سوريا، ولهذا، فإن كل تلك الأجراءات شكلت بمجملها ما وصفه عدد من المسؤولين الأميركيين باستراتيجية "الضغط المعاكس إلى أقصى الحدود"، أي الاستعانة برفع القيود، بدلاً من فرضها، كأداة أساسية للتأثير على سوريا. ويعتبر منتدى الأعمال الأميركي-السوري بحد ذاته أوضح دليل على التحول في السياسة الأميركية التي لم تعد تقتصر على تغيير الخطاب أو التصريحات، بل أضحت واقعاً يطبق على أرض الواقع، خاصة بعد أن تمكن محامون أميركيون ومدراء تنفيذيون متخصصون في قطاع الطاقة، ومسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية من تنظيم هذا المنتدى بدمشق من دون التعرض لأي مساءلة قانونية بموجب نظام العقوبات في بلدهم.
يعرف هذا المنطق بأنه استخدام متعمد للتجارة والاستثمارات وغيرها من الأدوات المالية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية التي كان السعي إليها في السابق يتم عبر الدبلوماسية أو حالة الإكراه لوحدهما. ومنذ أن أطلق ديفيد بالدوين بحثه الذي يعتبر مرجعاً في هذا المضمار، أصبح الباحثون يرون بأن للعقوبات دور فعال في حرمان الخصم من الموارد، إلا أن أثرها يضعف في إحداث تأثير بناء عندما تبدأ العلاقات السياسية بالعودة إلى مسارها الطبيعي. وفي دراسة بعنوان: (السلاح المتمثل بحالة الاعتمادية المتبادلة) يرى هنري فاريل وأبراهام نيومان بأن النفوذ لا يبنى عند تأمين رأس المال لوحده، بل يتراكم عند الطرف الذي يسيطر على النقاط الحساسة ضمن الشبكات العالمية، سواء أكانت شبكات رأسمال أو تقانة أو خدمات لوجستية، وهذا الفرق يتسم بأهمية كبيرة مع الحالة السورية.
فمن خلال فتح الباب أمام الاستثمارات الأميركية، تراهن واشنطن على التعامل الاقتصادي من خلال العلاقات المصرفية وعقود الطاقة وامتيازات إعادة بناء البنية التحتية، بما أن كل ذلك سيخلق نفوذاً أميركياً طويل الأمد في المسار السياسي لسوريا، بحيث سيخلف هذا التعامل الاقتصادي أثراً أكبر من الأثر الذي يمكن للعقوبات أن تحققه، كما سيحد في الوقت نفسه من تعاظم نفوذ القوى المنافسة للولايات المتحدة، وعلى رأسها الصين وروسيا، بل حتى تركيا.
ونظراً لضخامة الرهان على المستوى الاقتصادي، تظهر لدى كل الأطراف المعنية رغبة بالتعامل مع سوريا في أسرع وقت، خاصة بعد أن قدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار وسطياً، وذلك في تشرين الأول من عام 2025، وهذا الرقم يعادل عشرة أضعاف إجمالي الناتج المحلي لسوريا في عام 2024. في حين وصلت تقديرات أخرى إلى مبلغ 400 مليار دولار بعد أن أخذت بعين الاعتبار احتياجات التعافي الاقتصادي الشامل. وتمثل البنية التحتية وحدها أكثر من ثلث الأضرار المادية، في حين ظل إنتاج الكهرباء خلال معظم شهور عام 2025 عند خمس مستواه قبل الحرب، وهذا ما أكده كل من البنك الدولي والمسؤولين السوريين.
بدلاً من الحصول على قروض سيادية، سعت حكومة الرئيس أحمد الشرع إلى سد تلك الثغرة عبر استقطاب الاستثمارات الخاصة، بعد أن أعلنت عدم وجود نية لديها للاقتراض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، والاعتماد عوضاً عن ذلك على سياسة تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر وإبرام الاتفاقيات مع الحكومات. وهكذا تمكنت سوريا خلال عام 2025 من استقطاب تعهدات استثمارية بلغت قيمتها نحو 28 مليار دولار. ومن جانبه، أوضح جاكوب ماكغي، نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي، في كلمة ألقاها بمنتدى الأعمال، أن دور واشنطن يتمثل في تهيئة الظروف اللازمة لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي عبر توفير حلول مصرفية وإطار تنظيمي واضح يتيح لرأس المال الخاص وليس للمساعدات الحكومية، قيادة عملية التعافي الاقتصادي.
هنالك ثلاثة أمور دفعت الولايات باتجاه هذا التحول، أولها رغبتها بمنع المنافسين الاستراتيجيين من الوصول إلى سوريا، فقد ظل تعامل بيجين مع سوريا محدوداً ويتم عبر القطاع الخاص لا الدولة حتى عام 2025، وذلك وفقاً لبيانات الجمارك الصينية، ولهذا اقتصر على بضعة ملايين يوان صيني أتت على شكل مساعدات، إلى جانب عدد محدود من الاتفاقيات المتعلقة بالمناطق الصناعية، إضافة إلى تجارة السلع الاستهلاكية. ومع ذلك، يخضع القسم الأكبر من البنية التحتية لشبكات الاتصالات الخلوية السورية لسيطرة شركة هواوي. وماتزال روسيا تحتفظ بقاعدة حميميم الجوية ومرفأ طرطوس البحري، وحتى بعد سقوط النظام، احتفظ موسكو بنفوذها في سوريا عبر شحنات القمح وطباعة العملة والتعاون الأمني، ما سخر لها موطئ قدم دائم هناك، ولذلك تسعى واشنطن لخلق حالة توازن مع الوجود الروسي من خلال المشاركة الاقتصادية في سوريا، بحيث يصبح الغرب الشريك الرئيسي لسوريا على المدى البعيد بدلاً من أن تبقى موسكو شريكتها.
تتمثل الركيزة الثانية لهذا التحول في اعتبار نشر الاستقرار هدفاً أمنياً قائماً بذاته، وذلك عندما اعتبرت الإدارة الأميركية انهيار الدولة السورية مصدراً لزعزعة الاستقرار في المنطقة، وتدفق موجات اللجوء، وعودة تنظيم الدولة للظهور، ومن هنا، لم يعد التعافي الاقتصادي مجرد غاية إنسانية، بل استثماراً في الأمن أيضاً، بما أن قيام اقتصاد سوري فاعل يحد من حجم حالات الظلم والنزوح التي تستغلها الجماعات المطرفة وتسعى من خلالها لتجنيد أتباعها، وهذا ما عبرت عنه تصريحات الإدارة الأميركية، خاصة عندما تحدث الرئيس ترمب عن منح سوريا "فرصة لتصبح عظيمة"، كما أكد وزير خارجيته روبيو بأن في تحقيق سوريا المستقرة والموحدة ليس مصلحة للمنطقة لوحدها بل للعالم بأسره، وهذا ما يعبر عن السعي لنشر الاستقرار بدلاً من البحث عن تحقيق مصالح تجارية على نطاق أضيق.
وفي السياق نفسه، تتلخص الركيزة الثالثة لهذا التحول في الخروج بترتيب إقليمي جديد، تلعب سوريا فيه دور همزة الوصل بدلاً من بقاءها ساحة للصراع، وعليه، جرى تنسيق النهج الأميركي مع تركيا ودول الخليج التي لديها مصالح أكبر بكثير من إعادة إعمار هذا البلد، فضلاً عن حضورها التجاري الراسخ في الولايات المتحدة. وهكذا، برزت تركيا بوصفها الفاعل الاقتصادي الأبرز في سوريا بعد الأسد، إذ حصلت شركاتها على عقود بنية تحتية تتجاوز قيمتها 11 مليار دولار، في حين اقترب حجم التجارة بين البلدين خلال الشهور السبعة الأولى من عام 2025 من ملياري دولار، وفي الوقت نفسه، عملت قطر والسعودية على تسديد ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي، وتعهدتا بضخ مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة والسياحة والاتصالات، في حين التزمت دولة الإمارات بتنفيذ مشاريع كبرى لتطوير مرفأ طرطوس.
هذا ويلعب التعامل الاقتصادي الأميركي مع سوريا دور "هيكلية الصلاحيات" بما يسمح بتدفق رؤوس الأموال من الدول الحليفة من دون تعرضها لعقوبات ثانوية، مع توفير مساحة للشركات الأميركية العاملة في مجال الطاقة، بما يمنع احتكار الشركات التركية والخليجية لهذا القطاع، وهكذا بدأت شركتا شيفرون وكونوكوفيليبس بالتواصل مع الشركة السورية للنفط التابعة للدولة السورية بهدف استكشاف فرص الاستثمار في هذا البلد.
دفع هذا التحول جميع القوى الخارجية الكبرى التي بدأت بالتعامل مع سوريا إلى إعادة حساباتها، على الرغم من أن معظم نتائج ذلك التحول مايزال خارج نطاق التحكم المباشر لواشنطن، وبذلك، خرجت تركيا كأكبر جهة مستفيدة، كونها الشريكة الأقرب للحكومة السورية في سعيها لنشر الاستقرار، بما أنها تقدم المساعدة الأمنية والتدريب والدعم الدبلوماسي مقابل تعزيز موقعها الاقتصادي المهيمن، مع استمرارها بالضغط على "قوات سوريا الديمقراطية" حتى تندمج في الجيش الوطني السوري. هذا وقد تقاربت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية وقطر، مع تركيا حول مصلحة مشتركة تتمثل بتعزيز تماسك الدولة السورية واحتواء النفوذ الإيراني، إلى جانب المشاركة بجزء كبير من عمليات إعادة الإعمار التي نراها اليوم.
وفي ظل هذا النظام الإقليمي الجديد، تحتل إسرائيل الموقع الأشد تعقيداً، إذ بعد سقوط الأسد، واصلت إسرائيل قصفها في الأراضي السورية، وأبقت قواتها ضمن المنطقة العازلة التي دخلتها، ما دفع الرئيس السوري أحمد الشرع للإعلان بأن حكومته حاولت إجراء محادثات للوصول إلى اتفاق أمني، لكن إسرائيل لم تكملها، كما لم تبد سوريا اهتماماً بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، ولهذا يرى محللون بأن إسرائيل هي أكثر طرف يرغب بأن يرى سوريا مقسمة لا موحدة، وهذا الموقف يتعارض تماماً مع فكرة نشر الاستقرار التي تنتهجها السياستان الأميركية والتركية، ويمثل المصدر الرئيسي والوحيد للتوتر بالنسبة لكامل الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا.
وفي هذا السياق، ثمة تقارب بين موقف الاتحاد الأوروبي والتحول الحاصل في السياسة الأميركية، بعد أن أرسل مسؤوليه إلى دمشق وحرص على رفع العقوبات، فكان من بين هؤلاء المسؤولين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أصبح أول رئيس دولة غربية يزور دمشق رسمياً، وكان الدافع للقيام بتلك الزيارة الحد من قدوم اللاجئين عبر تسهيل عودتهم طوعاً إلى بلدهم. غير أن هذا التقارب لا يعبر عن موقف جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كما أن النقاشات بين تلك الدول بالنسبة لشروط تخفيف العقوبات عن سوريا لم تحسم حتى الآن.
تبدو الصورة أعقد بالنسبة لإيران وروسيا، إذ في عهد الأسد، ترسخ النفوذ الإيراني بشكل كبير من خلال خطوط إمداد "حزب الله" والشبكات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ولذلك تحولت خسارة هذا الممر بسقوط نظام الأسد إلى انتكاسة كبرى على الصعيد الاستراتيجي بالنسبة لإيران، إذن، هل ستلجأ إيران اليوم إلى التعامل بالسر مع سوريا، أم أنها ستتقبل تراجع نفوذها في هذا البلد؟ أم أنها ستتبنى سياسة الانتظار والترقب حتى تترسخ مؤسسات الدولة السورية؟ وعليه، يبقى هذا السؤال مفتوحاً أمام الإجابات التي تترتب عليها تداعيات استراتيجية هامة.
وبالعودة إلى روسيا نكتشف بأنها أبدت كثيراً من المرونة مقارنة بما توقعته لها التحليلات الأولية التي ظهرت عقب سقوط الأسد، فقد تمكنت من الاحتفاظ بوجودها في قاعدتي حميميم وطرطوس عبر توظيف ما يمكن وصفه بـدبلوماسية القمح والوقود، أي استخدام إمدادات الحبوب والطاقة كوسيلة للحفاظ على نفوذها وعلاقاتها مع السلطات السورية الجديدة.
تتسم القراءة التي تشكك بهذا التحول بالمباشرة، لأن نماذج إعادة الإعمار بواسطة الاستثمارات الأجنبية المباشرة ومن دون إشراف من أطراف متعددة، أمثلة متباينة ومختلفة، إذ في إعادة إعمار العراق بعد عام 2003، وليبيا بعد عام 2011، تم الإعلان عن استثمارات بأرقام ضخمة، ولكن عند التنفيذ كانت قيمة رؤوس الأموال أقل بكثير مما جرى الإعلان عنه. وفي كلتا الحالتين، تبين بأن النفوذ السياسي الذي توقعت الدول المانحة الحصول عليه عبر المشاركة الاقتصادية كان أضعف من العلاقات الأمنية وشبكات المحسوبية التي سيطرت عليها جهات محلية وإقليمية. والحالة البنيوية لسوريا تشبه هاتين الحالتين أكثر من أي حالة نجاح واضحة المعالم، بما أن تركيا ودول الخليج الكبرى تتمتع بعلاقات أمنية واسعة، ولديها موطئ قدم تجاري راسخ، ناهيك عن قربها الجغرافي مقارنة بالولايات المتحدة، وهذه العوامل هي التي حددت نتائج تلك الصفقات على مدى التاريخ.
وعلى الرغم من ذلك، ثمة حجة منطقية تدحض تلك الشكوك، إذ بخلاف العراق وليبيا، لم يقم الانتقال السياسي في سوريا على تدخل عسكري تقوده الولايات المتحدة، وهذا ما يزيل أحد أهم أسباب فشل عملية إعادة الإعمار في الحالة العراقية والليبية، والذي تمثل في تعاقدات ترأستها الجهات المانحة بمعزل عن مؤسسات الدولة. وبصرف النظر عن أوجه القصور الأخرى، تمكنت الحكومة السورية التي يقودها أحمد الشرع من ترسيخ سلطتها بسرعة وبصورة أكمل مقارنة بما حققه العراق بعد الغزو أو ليبيا بعد القذافي، وهذا ما يؤكد احتمال تحول تعهدات الاستثمار إلى رؤوس أموال تضخ فعلياً إلى جانب تأسيس مؤسسات تعمل على الأرض. وإضافة لكل ذلك، فإن شرط الاعتماد المنصوص عليه في قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي يمنح واشنطن الأساس القانوني المتجدد لمد نفوذها، وهذه الآلية لم تكن موجودة في القانون الأميركي عند تنظيم مرحلة الانتقال السياسي بعد النزاع في كل من العراق وليبيا.
حالياً ماتزال كلتا القراءتين أولية، ولذلك لن تتضح الأهمية الاستراتيجية لهذا المنتدى إلا بعد عام أو عامين، عندما يصبح بالإمكان إجراء تقييم منهجي للفجوة بين التدفقات الرأسمالية التي تمت بالفعل وبين تعهدات الاستثمار، وكذلك بين إصلاحات الحوكمة المعلنة والسلوك الفعلي الذي يمكن التحقق منه بصورة مستقلة.
ينبغي النظر إلى المنتدى السوري- الأميركي للأعمال بوصفه دليلاً على تبني الولايات المتحدة لإطار استراتيجي متماسك، على الرغم من أنه مايزال في طور التشكل. وهذا الإطار يقوم في جوهره على المبدأ القائل بإن التعامل التجاري المنظم الذي توفره عملية تخفيف العقوبات وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، يوفر وسيلة مستدامة وأقل كلفة للتأثير على المسار الذي تنتهجه سوريا بعد الأسد. وفي الوقت ذاته، يسعى هذا النهج للحد من النفوذ الاستراتيجي للدول المتنافسة، وعلى رأسها روسيا والصين، ويمثل ذلك تحولاً ملموساً بعيداً كل البعد عن سياسة الإكراه التي كانت سائدة خلال العقدين الماضيين، وقد حقق هذا التحول نتائج مهمة، غير أن نجاحه مرهون بمتغيرات لا تخضع لسيطرة واشنطن مباشرة، لأن النفوذ الأميركي في سوريا محدود بطبيعته، نظراً لاعتماد سوريا بالأصل على رؤوس الأموال القادمة من تركيا ودول الخليج، كما أن عدم وجود آليات رقابة مالية قوية يمكن أن يحول عملية إعادة الإعمار إلى بيئة خصبة أمام الفساد، بدلاً من أن تكون مساراً للتعافي الحقيقي.
يتلخص الدرس الأهم في الفكرة التي ترى بأن توظيف الأدوات الاقتصادية في السياسة الخارجية المعنية بسوريا ليس دائماً بحد ذاته، بل رهن لما سيتمخض عن تخفيف العقوبات وربط ذلك بمعايير حوكمة قابلة للقياس، إلى جانب تعزيز الرقابة المالية الدولية عبر آليات مختلفة، مثل التعامل مع مجموعة العمل المالية. كما يتعين على واشنطن ضمان دمج عملية المشاركة الاقتصادية ضمن استراتيجية سياسية أشمل بوسعها تعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم إصلاح المؤسسات، عندئذ، يمكن اعتبار منتدى دمشق بمثابة بداية امرحلة جديدة في تحول السياسة الأمريكية، وليس تتويجاً لهذا التحول، بما أن نجاح هذه السياسة المتغيرة مرهون بمدى استعداد واشنطن لإعادة ضبط أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية باستمرار بما يتلاءم مع التحولات التي تطرأ على الميدان، ومن خلال هذا التعامل الاقتصادي الدائم لوحده، يصبح بوسع الولايات المتحدة أن تأمل في تحقيق هدفها المعلن المتمثل بقيام سوريا مستقرة، ومندمجة اقتصادياً، ومرتبطة بالمجتمع الدولي.
عدد المشاهدات: 17502
سوريا اكسبو - Syria Expo
إقرأ أيضا أخبار ذات صلة
- الاحتلال يعلن إعادة مستوطنَين إسرائيليَّين بعد عبورهما الحدود إلى سوريا
- غوتيريش يلتقي ممثلين عن المجتمع المدني والمنظمات النسائية في سوريا
- قبيل لقائه ترمب.. نتنياهو يتعهد برفض مطالب واشنطن بالانسحاب من سوريا ولبنان وغزة
- الشيباني: سوريا تستعيد مكانتها شريكا فاعلا ومسؤولا في الأمم المتحدة
- الشرع يتحدث عن مستقبل العلاقات مع إسرائيل وروسيا ومشاريع الطاقة الأميركية
- غوتيريش من دمشق: الأمم المتحدة ستدعم المرحلة الانتقالية في سوريا
تحميل التطبيق من غوغل بلاي
تحميل التطبيق من ابل ستور
اضغط هنا لتحميل التطبيق بشكل مباشر على هواتف الاندرويد
تحميل التطبيق من ابل ستور
اضغط هنا لتحميل التطبيق بشكل مباشر على هواتف الاندرويد
ما يفضّله الزوّار
-
5 أسباب لارتفاع أسعار الذهب إلى أكثر من 5000 دولار للأونصة
-
سوريا تُدرج اللغة الكردية في مناهجها التعليمية رسمياً
-
استقرار أسعار الذهب في سوريا عند مستويات تاريخية
-
أسعار الذهب في سورية ترتفع من جديد اليوم .. و سعر الغرام يقارب نصف مليون ليرة!!
-
نادين نجيم ترد بحدة على منتقدي صورها دون "فلتر"
-
استقرار أسعار الذهب في السوق المحلي والأسعار العالمية تتجه نحو الانخفاض