سياسة > من أجل أرض خضراء.. فريق دولي متخصص بإزالة الألغام يصل إلى سوريا
2026-08-20
لم يتردد نويل بيرورو لحظة عندما طُلب منه تدريب فرق إزالة الألغام في سوريا، بما أنه رأى بعينه الألم الذي خلفته الألغام الأرضية في بلده زيمبابوي، حيث ماتزال تلك المخلفات تشكل مصدر خطر وخوف حتى بعد مرور 50 عاماً على انتهاء النزاع في ذلك البلد.
يحدثنا بيرورو عن تجربته مع الألغام فيقول: "زرعت الألغام الأرضية لتعكر حياتنا خلال سنوات النزاع، فدمرت أرضنا، ومواشينا، وبيوتنا، ومنعتنا من مواصلة حياتنا، ويتكرر الأمر نفسه في سوريا مع شعبها الطيب الذي رحب بي أيما ترحيب، ولهذا لابد من تنظيف أرضه من تلك المخلفات، حتى يتمكن من زراعتها، وحتى يعود الناس إلى بيوتهم وأشغالهم".
انضم نويل إلى فريق يضم خبراء في إزالة الألغام من عدة دول يتبع لمنظمة Halo، بحيث يعمل هذا الفريق على إزالة المواد المتفجرة القاتلة التي خلفتها الحرب السورية على مدار 14 عاماً، وتعقيباً على عمله وفريقه يقول نويل: "إننا نعمل كعائلة واحدة، وكأننا أهل".
يحمل كل خبير من هؤلاء الخبراء العاملين بالشأن الإنساني خبرة كبيرة في إزالة الألغام والذخائر، بعد أن عملوا في المناطق المفتوحة بسهول أنغولا وزيمبابوي وأدغال كمبوديا، وبحيرات جزر سيرلانكا، ولهذا فإن مجموع خبرات الفريق يمتد لسنوات تصل إلى 227 سنة.
وجميع الخبراء، مثلهم مثل نويل، دفعتهم تجاربهم الشخصية مع الخسارة والفقدان والنزاع للمضي في هذا الدرب، بعد أن شعروا بتعاطف عميق مع الشعب السوري.
يعلق على ذلك الخبير فالديمار فيرنانديز فيقول: "انتهت الحرب في أنغولا قبل 24 عاماً، ولكننا مانزال نشهد حوادث مروعة بسبب الألغام فيها"، ويتابع: "يعتقد بعض الناس أن كل الأمور ستعود لنصابها بعد الحرب، إلا أن ذلك يجافي الحقيقة، وذلك لأننا مانزال بعد كل تلك السنين التي تلت الحرب نزيل الألغام ومخلفات الأسلحة الفتاكة والقنابل التي لم تنفجر بعد".
انتهت الحرب بسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، ولكن الخطر مايزال يتربص بملايين العائدين من السوريين والسوريات، فقد دمر النزاع القرى والمدن، وماتزال مخلفات الذخائر غير المنفجرة موجودة فيها حتى اليوم.
بحسب تقديرات منظمة Halo والجهات السورية العاملة في إزالة الألغام، فإن 2442 شخصاً قتلوا أو أصيبوا بانفجار أحد الألغام منذ نهاية حكم النظام البائد وحتى آب من العام الجاري.
يعلق على ذلك أحد الخبراء السوريين في مجال مكافحة الألغام، فيقول: "إن المتفجرات ومخاطرها تخلف آثاراً وأضراراً بالغة على بلدنا كل يوم، لذا يسعدنا رؤية هذا العدد الكبير من الخبراء الدوليين الذين أتوا لمد يد العون لنا، وكلي أمل أن يعود الأمن والاستقرار والازدهار لسوريا حتى تفخر بشعبها من جديد وتصبح خالية من كل أذى أو ضرر".
ستبقى فرق إزالة الألغام الدولية في سوريا لمدة ستة أشهر عموماً، وستركز في عملها خلال هذا الصيف على فرق منظمة Halo الأربعة التي تعمل بيدها على إزالة الألغام، بحيث تساعدها على بناء قدراتها وتطوير كفاءتها.
يحدثنا عن ذلك بيرس بريشر من منظمة Halo في سوريا، فيقول: "يمثل ذلك استثماراً في مستقبل سوريا، لأن فريق إزالة الألغام لن يقتصر عمله على إزالة الألغام، بل سيخلق الظروف الملائمة لملايين السوريين والسوريات حتى يعيدوا بناء حياتهم، وإحياء مجتمعاتهم إلى جانب استعادة أملهم بالمستقبل".
يكرم اليوم العالمي للعمل الإنساني العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية الذين يخاطرون بأرواحهم عبر الخوض في مناطق الكوارث والنزاعات من أجل إنقاذ أرواح الناس على الرغم من تعرضهم لمخاطر جسيمة.
وفي وقت بات العاملون في المجال الإنساني يتعرضون لعدد أكبر من الهجمات، لا يسع المرء إلا أن يكرم الخبراء في مجال إزالة الألغام الذين يخاطرون بحياتهم من أجل سلامة المجتمعات بعد النزاعات.
كان السوري محمد سليمان المحاميد يعمل سائقاً، ثم انتقل للعمل في إزالة الألغام، وعن تجربته يقول: "يعاني الأطفال هنا كثيراً، فهناك من فقد يداً أو قدماً، ولقد رأيت حوادث تسببت بها قنابل غير منفجرة. وإن من زاد عزمي على إعادة بناء بلدي هم هؤلاء الذين أتوا من الخارج ليسهموا في إعادة إعمار البلد، ولهذا أتمنى أن تصبح سوريا خالية من المتفجرات ومن الألغام الأرضية، وأريد أن أرى سوريا خضراء".
تُعدّ منظمة HALO Trust من أبرز المنظمات الإنسانية المتخصصة في إزالة الألغام ومخلفات الحرب حول العالم، فقد تأسست المنظمة عام 1988 في أفغانستان ، بهدف حماية حياة المدنيين ومساعدة المجتمعات المتضررة من النزاعات على استعادة أراضيها وسبل عيشها، وتعمل اليوم في أكثر من 30 دولة ، من بينها سوريا وأنغولا وزيمبابوي وكمبوديا وسريلانكا.
ولا يقتصر عمل المنظمة على إزالة الألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحروب، بل يشمل أيضاً تأمين الحماية من الأسلحة والذخائر، وتوعية السكان بمخاطر المتفجرات، وتدريب المجتمعات المحلية على سبل الوقاية منها . كما تعتمد المنظمة بدرجة كبيرة على أبناء المجتمعات المتضررة نفسها، إذ تقوم بتوظيفهم وتدريبهم للمشاركة في عمليات إزالة الألغام، بما يساعد على توفير الأمان وفتح الطريق أمام عودة السكان إلى منازلهم وأراضيهم وإعادة بناء سبل عيشهم.
ومنذ تأسيسها، أزالت المنظمة أكثر من 14 مليون لغم ومتفجر ، وأسهمت في جعل مساحات واسعة من الأراضي آمنة أمام المجتمعات التي عانت من آثار الحروب والنزاعات.