سياسة > ثلاث رصاصات من البحر.. إسرائيل تكشف أسرار اغتيال مستشار الأسد في طرطوس
2026-09-03
كشف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، للمرة الأولى بصورة مباشرة، أن وحدة الكوماندوز البحري الإسرائيلي "شاييتت 13" نفذت عملية اغتيال اللواء السوري محمد سليمان، أحد أبرز مستشاري الرئيس المخلوع بشار الأسد، في مدينة طرطوس عام 2008.
بحسب الرواية التي أوردها أولمرت في مذكراته، خرج عناصر من "شاييتت 13" من البحر ليلاً واقتربوا من منزل سليمان في طرطوس، حيث كان يجلس برفقة عدد من ضيوفه على شرفة المنزل.
ووفق الرواية، تمركز المنفذون على مسافة تقارب 150 متراً من جانبي الشرفة، وتمكنوا من تحديد سليمان بصورة مؤكدة رغم وجود أشخاص آخرين في المكان. وبعد صدور الأمر بإطلاق النار، أطلق العناصر ثلاث رصاصات أصابت سليمان في مؤخرة رأسه، قبل أن ينسحبوا سريعاً باتجاه البحر ويعودوا إلى القارب الذي كان ينتظرهم.
وتتطابق هذه التفاصيل في جوانب رئيسية مع ما كشفته صحيفة "ذا إنترسبت" عام 2015، استناداً إلى وثائق سرية لوكالة الأمن القومي الأميركية سربها الموظف السابق إدوارد سنودن. ونسبت إحدى الوثائق العملية بشكل صريح إلى وحدة "شاييتت 13"، في ما عُدّ آنذاك أول استهداف معروف من جانب إسرائيل لمسؤول حكومي سوري بهذا المستوى.
لم يكن سليمان شخصية عسكرية عادية داخل النظام المخلوع، إذ شغل موقعاً شديد الحساسية في الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق، وارتبط اسمه بملفات الأسلحة الاستراتيجية والمشتريات العسكرية والعمليات الأمنية الحساسة.
كما لعب دوراً في إدارة العلاقة مع "حزب الله" وفي ملف نقل الأسلحة الإيرانية عبر الأراضي السورية إلى لبنان. وبرز اسمه بصورة خاصة في أعقاب الغارة الإسرائيلية التي استهدفت منشأة في دير الزور عام 2007، والتي اتُهمت دمشق بالعمل فيها على تطوير برنامج نووي سري.
وذكرت مجلة "نيويوركر" أن مسؤولين إسرائيليين اعتبروا سليمان من بين الشخصيات القليلة داخل النظام المخلوع التي كانت على علم بوجود المنشأة، فيما وصفه أحد المسؤولين الإسرائيليين بأنه كان يدير ما سُمي "جيش الظل" التابع للنظام، بما في ذلك ملفات نقل الأسلحة الإيرانية إلى "حزب الله".
كما أظهرت وثائق أميركية مسربة أن سليمان كان مستشاراً خاصاً للرئيس المخلوع بشار الأسد في قضايا الأسلحة الاستراتيجية والعمليات العسكرية الحساسة والملف اللبناني، بما في ذلك الاتصالات مع "حزب الله".
في أعقاب الاغتيال، لم تعلن الحكومة السورية وقتها رسمياً مسؤولية أي جهة عن العملية، كما فرضت قيوداً مشددة على التغطية الإعلامية للقضية، ولم تتضح هوية القتيل في التقارير الأولى.
وبحسب برقية دبلوماسية أميركية مسربة نشرتها "ويكيليكس" لاحقاً، اعتبرت الأجهزة الأمنية السورية إسرائيل "المشتبه الأوضح" في عملية الاغتيال، خصوصاً أن الموقع الساحلي لطرطوس كان يتيح لقوة قادمة من البحر الاقتراب من الهدف ثم الانسحاب بالطريقة ذاتها. وأشارت البرقية إلى أن استخدام قناص في العملية يدل على معرفة المنفذين بهوية سليمان وقدرتهم على تمييزه من مسافة بعيدة.
في المقابل، ظهرت في ذلك الوقت فرضيات تحدثت عن تصفية داخلية في أوساط النظام المخلوع، على خلفية صراعات بين شخصيات أمنية وعسكرية بارزة. ونقلت صحيفة "الغارديان" عام 2008 عن مصادر أن سليمان ربما كان ضحية لصراع داخلي، ولا سيما في ظل التوتر الذي كان قائماً بين بشار الأسد ورئيس شعبة المخابرات العسكرية آنذاك آصف شوكت.
لكن تسريب وثائق وكالة الأمن القومي الأميركية عام 2015 عزز بصورة كبيرة الرواية التي تنسب الاغتيال إلى إسرائيل، قبل أن تأتي تصريحات أولمرت، بعد 18 عاماً من العملية، لتقدم رواية إسرائيلية مباشرة عن تفاصيل تنفيذها.
وجاء اغتيال سليمان بعد أقل من عام على تدمير إسرائيل للمنشأة النووية السورية في دير الزور عام 2007، في عملية لم تعترف بها إسرائيل رسمياً في ذلك الوقت. ووفق مركز مكافحة الإرهاب التابع لأكاديمية ويست بوينت، كان سليمان مرتبطاً بإدارة البرنامج النووي السوري، ما جعل اغتياله ضربة محتملة لقدرة دمشق على إعادة بناء البرنامج أو استئناف نشاطاته.