2026-09-05
نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تقريراً تناول فيه التطورات التي أعقبت الإعلان، في 20 آب الماضي، عن استكمال اندماج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، وإنهاء وجودها بوصفها قوة عسكرية مستقلة. وناقش التقرير تفاصيل الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في كانون الثاني بوساطة أميركية، ودور واشنطن في دعم استقرار البلاد وتوحيدها تحت السلطات السورية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالأمن والحكم الذاتي وحقوق الأقليات، وما قد ينتظر شمال شرقي سوريا في المرحلة المقبلة.

وفيما يلي الترجمة الحرفية لنص التقرير كما ورد، من دون أن يعني ذلك تبنّي موقع سوريا اكسبو لما جاء فيه أو المصادقة على مضمونه:

خلال حكم الأسد عانت سوريا ضعف مؤسسات الدولة، ما أتاح لجماعات إرهابية، من بينها "تنظيم الدولة" (داعش)، استغلال أراضيها لتهديد أمن المنطقة وخارجها. ورداً على ذلك، أقامت واشنطن شراكة مؤقتة مع قوة تطورت لاحقاً إلى "قوات سوريا الديمقراطية"، وقدمت لها التدريب وأكثر من مليار دولار لدعم قتال التنظيم في مناطق سيطرتها. وبعد هزيمة التنظيم إقليمياً عام 2019، استمرت الشراكة عبر عمليات مشتركة لمكافحة الإرهاب، إضافة إلى دعم إدارة السجون والمخيمات التي كانت تضم آلافاً من عناصر التنظيم وعائلاتهم.

غير أن هذه العلاقة ساءت لعدة أسباب، أهمها رفض تركيا لإقامة قسد علاقات مع الولايات المتحدة، بما أن قسد تنتمي لحزب العمال الكردستاني المصنف كتنظيم إرهابي لدى تركيا، فضلاً عن تصاعد الاتهامات محلياً ودولياً الموجهة لسلطات قسد باستخدام الانتماء لتنظيم الدولة كحجة لترويع معارضيها. ومع ذلك استمرت تلك الشراكة لعقد كامل، أصبح خلاله الجناح السياسي لقسد، أي الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرقي سوريا، السلطة الحاكمة بأمر الواقع بدعم أميركي في تلك المنطقة. غير أن السياسة الأميركية الراسخة التي تتابعت عليها إدارات أوباما وترمب فبايدن أكدت بأن هذه العلاقة ما هي إلا ترتيب مؤقت للأمور هدفه تحقيق غايات أكبر، على رأسها إنهاء الحرب في سوريا، ومنع تنظيم الدولة مع العودة للظهور إلى جانب دحر الجهات الفاعلة التي تزعزع استقرار سوريا، وعلى رأسها إيران، وقد كان قائد قسد، مظلوم عبدي، على علم بهذه الطبيعة المؤقتة للشراكة.



بعد سقوط الأسد في عام 2024، سارعت واشنطن للانحياز إلى دمشق وأسهمت في دفع الطرفين للتوقيع على اتفاق آذار 2025 الذي يحدد خطوات ومراحل اندماج قسد. غير أن معظم المحادثات دخلت مرحلة الجمود إلى أن شنت دمشق حملة عسكرية على شمال شرقي سوريا في مطلع هذا العام، ومع استئناف المفاوضات، أعلن المبعوث الأميركي توم براك بأن الدور الأساسي لقسد بوصفها قوة عسكرية مناهضة لتنظيم الدولة، قد انتهى، كما باتت دمشق في موقع يخولها أن تسيطر على مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة إلى جانب الاضطلاع بغير ذلك من الأمور الأمنية، وقد تصادف ذلك مع حدوث تطور في عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، ما خفف من الصدامات بين تركيا وقسد. وسرعان ما سحبت واشنطن قواتها، وأخلت آخر قاعدة لها في نيسان الماضي، وقد أنهى الإعلان الذي تم في الأسبوع الماضي الشراكة بين قسد والولايات المتحدة بشكل رسمي، ولهذا يتمثل التحدي اليوم بتنفيذ بنود اتفاق كانون الثاني وما تبعه من ترتيبات بأكملها، بما يسهم بتوحيد سوريا تحت حكومة واحدة بموجب نص قرار مجلس الأمن رقم 2254.

لأول مرة منذ قرابة سبعين عاماً، أصبحت واشنطن تتعامل مع حكومة دمشق بشكل مباشر فيما يتصل بأمن سوريا والمنطقة، غير أن العلاقة ماتزال معقدة، وذلك لأن الأمم المتحدة وبدعم أميركي لم ترفع التصنيف عن الرئيس أحمد الشرع إلا منذ فترة قريبة. كما أن إدارة ترامب أخرجت سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وصارت اليوم تتعاون مع دمشق على منع تنظيم الدولة مع العودة، في حين انضمت سوريا للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، وصارت تتعاون مع العشائر العربية في المنطقة الشرقية على استهداف فلول التنظيم. غير أن أصعب مشكلة تتمثل بمقرات احتجاز عناصر تنظيم الدولة، بعد أن فر الآلاف من المحتجزين أو أطلق سراحهم عند تقدم قوات الحكومة نحو شمال شرقي سوريا خلال شهر كانون الثاني، وهذا ما دفع المسؤولين الأميركيين الذين أقلقهم هذا الوضع لترتيب أمور نقل 5700 منهم إلى العراق، بينهم 3500 سوري. وفي تلك الأثناء، زاد التعاون الأمني بين سوريا وتركيا، في حين انحسر النفوذ الروسي فيها.

وعلى صعيد الطاقة، فإن واشنطن تدعم فكرة إعادة موارد النفط والغاز الموجودة في شمال شرقي سوريا لتصبح تحت سيطرة الدولة السورية، إلى جانب توسيع الاستثمارات الأجنبية هناك، غير أن المشاريع الصعبة مثل المشروع المقترح لمد أنابيب نفط من كركوك لبانياس لابد أن يعتمد على مدى حفاظ دمشق على وحدة البلد وأمنها.

وبالنسبة للدمج على نطاق أوسع، وعلى الرغم من أن معظم مواطن الخلاف بين شمال شرقي سوريا ودمشق تتصل بآليات عملية الدمج، ماتزال الأولويات الراسخة لدى واشنطن تتمثل بترسيخ سلطة الدولة، ومكافحة الإرهاب، ونشر الأمن في المنطقة. ولهذا ركز المفاوضون الأميركيون على تسريع دمج مؤسسات شمال شرقي سوريا ضمن المؤسسات المدنية والعسكرية السورية، ولقد دمجت دمشق حتى اليوم أكثر من عشرين ألف موظف مدني من شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة المركزية، وأسهمت في تسهيل عودة آلاف المواطنين الكرد الذين نزحوا من بيوتهم خلال الاشتباكات العسكرية التي وقعت في شهر كانون الثاني الماضي.

أما على صعيد الدمج العسكري، فإن الأرقام ما تزال غير متطابقة، إذ في كثير من الأحيان يتحدث بعض الناس عن دمج خمسين ألف مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية، من دون أن يتضح إن كان ذلك العدد يشمل قوات الأسايش المتخصصة بالأمن الداخلي أو وحدات حماية المرأة التي تضم نساء فحسب، ولذلك لم يعرف مصير الآلاف من العناصر حتى الآن.

حتى تاريخ اليوم، انضم قرابة ستة آلاف مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية لألوية وزارة الدفاع الأربعة، فهم إما يخضعون للتدريب هناك، أو حدد لهم موعد للخضوع للتدريب. كما عينت دمشق أبرز قادة قسد في مناصب رفيعة، إذ عين سيبان حمو مساعداً لوزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية، وجيا كوباني نائباً لقائد الفرقة 60 بالجيش.



لم يكتمل الاندماج بوزارة الداخلية أيضاً، إذ هنالك أنباء تفيد بأنه تم فرز أربعة آلاف عنصر من قسد إلى هناك، ومن المتوقع لنحو تسعة آلاف من الأسايش أن يخدموا لدى هذه الوزارة في الحسكة، في حين سيخدم ألف وخمسمئة آخرون في كوباني.

كما أن الإعلان عن دمج عدد يتراوح ما بين 1500-2000 مقاتلة من وحدات حماية المرأة أثار تساؤلات كثيرة، وذلك لأن دمشق تعارض عمل النساء في وزارة الدفاع، ولهذا اقترحت تحويل قوات حماية المرأة إلى قوات تتبع للأمن الداخلي وقوات تعمل على محاربة الإرهاب تتبع لوزارة الداخلية، وثمة تقارير تتحدث عن دخول هذه الترتيبات مرحلة التنفيذ حالياً، على الرغم من رغبة وحدات حماية المرأة بالانضمام لوزارة الداخلية، ولذلك تعهدت دمشق بدراسة إمكانية دمج وحدات حماية المرأة ضمن الجيش السوري في مرحلة لاحقة.

وفي مناطق أخرى، عاد نحو ثلاثة آلاف مقاتل من قسد تعود أصولهم لعفرين إلى مدينتهم، أو أنهم اليوم في طور العودة بحسب ما تناقلته بعض التقارير التي ترى بأن الهدف من ذلك ضمهم إلى فرقة محلية تتبع للجيش السوري، وهنالك ثمانية آلاف آخرين لم تتضح وجهتهم بعد.

وبعيداً عن أمور الاندماج الأمني، ما يزال التعليم أهم مسألة لم يحسم أمرها بعد، إذ في شهر كانون الثاني، اعترف المرسوم 13 الذي أصدره الرئيس الشرع باللغة الكردية كلغة وطنية، ولهذا تأمل قسد أن يسهم ذلك بتعليم المناهج الوطنية باللغة الكردية، على أن تفرد مادة خاصة لتعلم اللغة العربية، في حين كان تصور دمشق يقوم على اعتماد منهج وطني قائم على اللغة العربية، مع تخصيص عدة حصص أسبوعياً لتدريس اللغة الكردية، وقد تم التفاوض بشأن هذه المسألة بشكل مكثف بين وزارة التربية وقادة قسد، ما حول ذلك إلى اختبار مهم لكيفية تعامل دمشق والكرد مع قضية حساسة تتعلق بالتنوع الثقافي وما تحمله من تداعيات كبيرة.

وحتى الأسبوع الماضي، كان المرسوم الأصلي قد عدل بموجب القرار رقم 493 الذي سمح بتدريس اللغة الكردية بشكل محدود ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية، وهو قرار يتوافق مع توجهات الحكومة بشكل كبير.

بالنسبة للاندماج السياسي، عين قائد قسد، مظلوم عبدي، مستشاراً للرئاسة من دون منحه أي رتبة عسكرية، مع احتمال تفويضه بالشؤون الكردية التي سيحددها مرسوم رئاسي آخر. وفي الوقت ذاته، يبدو بأنه سيتم تعيين إلهام أحمد التي كانت مسؤولة رفيعة لدى الإدارة الذاتية ضمن مجلس الشعب وذلك من خلال القائمة التي سيختارها الرئيس، ولعل ذلك سيتم حتى تشارك أحمد في وضع دستور جديد، أو يمكن أن يتم تعيينها لدى لجنة الشؤون الخارجية. كما تفكر الحكومة السورية بإرسال هذين الشخصين اللذين سيصبحان مسؤولين لديها إلى تركيا حيث سيلتقيا بزعيم حزب العمال الكردستاني المسجون هناك، عبد الله أوجلان، وذلك إرضاء لكل من تركيا وللعناصر المتطرفة الموجودة داخل صفوف قسد.



بعد عشر سنوات من التعامل مع قسد، أسهمت واشنطن بوضع عدد من الاتفاقيات التي تدعم استقرار سوريا ووحدتها، وبوسعها مواصلة ذلك من خلال عملية الدمج، لأن دمج عناصر قسد ضمن الحكومة المركزية لن يمحو سنوات من بناء العلاقات مع الولايات المتحدة التي تعلمت قسد خلالها فن إدارة المؤسسات، وهذا ما سيوفر لواشنطن قناة فريدة من نوعها، يمكنها من خلالها أن تبني الثقة مع دمشق. ولاستغلال هذه الفرصة إلى أقصى الحدود، يتعين على السياسيين التركيز على أربع أولويات وهي:

لابد من مشاركة الأقليات لضمان استقرار سوريا على المدى البعيد، وفي الوقت الذي يمكن للاندماج أن يقوي سلطة الدولة وذلك عبر خلق جسر بين توجهات الحكومة نحو الحالة المركزية، ورغبة شمال شرقي سوريا بخلق حالة لامركزية، لأن هذا التوافق من شأنه منع حالة زعزعة الاستقرار من الظهور مرة أخرى بما أن تلك الحالة ارتبطت بالأذهان بإفراط نظام الأسد في مركزيته، وهذا يعني بالنسبة لإدارة ترامب والكونغرس محاسبة دمشق والكرد خلال الشهور القادمة، وضمان تكافؤ الفرص أمام العناصر السابقة في قسد، بحيث لا ينحصر فرزهم في شمال شرقي البلاد، بما يضمن بقاءهم كجزء من الدولة السورية (واستعانتهم بما يعرفونه وما اختبروه عن إدارة المؤسسات).

حتى بعد تحول دمشق إلى شريك أساسي في محاربة تنظيم الدولة، يتعين على واشنطن أن تضمن بقاء القوات السابقة لدى قسد شريكاً في هذه المهمة، ولذلك أهمية كبيرة ليس فقط لبناء القدرات والثقة، بل أيضاً لمعالجة مواطن القلق التي أعرب عنها المفتش العام في البنتاغون، وذلك بالنسبة للاضطرابات التي وقعت مؤخراً والتي عقدت عملية التدقيق الأمني الذي يخضع له الشركاء، ما جعل المهمة في حالة تشتت.

وكما حدث في دولة العراق المجاورة، حيث انتقلت الولايات المتحدة من علاقة قائمة على التحالف إلى علاقة بين بلدين فحسب، يمكن لصندوق التدريب والتجهيز لمحاربة تنظيم الدولة أن يسهم في إحداث هذا الانتقال. وإلى جانب التعاون في مجال العمليات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فإن مشاركة عناصر سابقة لدى قوات سوريا الديمقراطية في هذه المحادثات يمكن أن يساعد على تحديد المفقودين من الأجانب في مخيم الهول، إلى جانب تنسيق عمليات إعادة الأجانب إلى بلادهم من مخيم الروج مستقبلاً، فضلاً عن إعادة السوريين الذين نقلوا إلى العراق إلى بلدهم هم أيضاً، بما أن قسد كانت تتولى إدارة كل هذه الملفات.

يجب على واشنطن أن تتعاون مع أنقرة لمنع أي تعثر في عمية السلام بين تركيا وحزب العمال من تقويض عملية اندماج قسد في المؤسسات السورية. كما ينبغي للدبلوماسية الأميركية أن تحبط أي تدخل عسكري أجنبي، سواء في شمال شرقي سوريا، أو في الجنوب الغربي، بما أن ذلك يمكن أن يتسبب بارتكاب مجازر أو جرائم أخرى بوسعها أن تحول سوريا إلى ساحة قتال إقليمية أسوأ مما كانت عليه في السابق.

حتى يفي الشرع بتعهده بإقامة حالة تشميل وتمثيل، لابد للمناطق المنتجة للخيرات في سوريا أن تحصل على فوائد حقيقية من خلال عملية إعادة الإعمار والاستثمارات على المستوى الوطني، إذ يجب تخصيص جزء عادل من إيرادات حقول النفط والغاز في شمال شرقي سوريا لتنمية هذه المنطقة على المستوى الاقتصادي، وذلك لأن استغلال نظام الأسد لشمال شرقي سوريا وإهماله لها خلق حالة من انعدام الأمن فيها، ولذلك يتعين على واشنطن أن تحث حكومة الشرع حتى تعزز الترتيبات الجديدة التي توصلت إليها مع الكرد وذلك عبر خلق استثمارات اقتصادية حقيقية وملموسة.



المصدر: The Washington Institute

عدد المشاهدات: 73417
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة