سياسة > مجلة أميركية: سوريا تتحول إلى ساحة حرب باردة بين تركيا وإسرائيل
2026-09-09
رأت مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية أن سوريا باتت في قلب تنافس متصاعد بين تركيا وإسرائيل، مرجحة أن يتخذ الصراع بين القوتين الإقليميتين شكل "حرب باردة" تكون الأراضي السورية ساحتها الرئيسية، في ظل اختلاف جوهري بين رؤيتي أنقرة وتل أبيب لمستقبل سوريا وموقعها في معادلات الأمن الإقليمي.
وجاء ذلك في تحليل نشرته المجلة، الثلاثاء، اعتبر أن تركيا تنظر إلى سوريا مستقرة وقادرة على إعادة بناء مؤسساتها باعتبارها رصيداً استراتيجياً وأمنياً، في حين تتعامل إسرائيل مع صعود دولة سورية قوية ومتماسكة باعتباره مصدر تهديد لمصالحها.
وقالت المجلة إن سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 فتح أمام السوريين فرصة لبدء مرحلة جديدة بعد نحو 14 عاماً من الحرب، إلا أن مسار المرحلة الانتقالية يواجه، إلى جانب التحديات الداخلية، منافسة إسرائيلية - تركية متزايدة قد تؤثر بصورة مباشرة في قدرة دمشق على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
وبحسب التحليل، تتمحور نقطة الخلاف الأساسية بين أنقرة وتل أبيب حول شكل الدولة السورية التي ستنشأ خلال المرحلة المقبلة.
فالسياسة التركية، وفق المجلة، تتجه نحو دعم إعادة بناء المؤسسات السورية وتعزيز قدرات الدولة والجيش، انطلاقاً من اعتبار استقرار سوريا جزءاً من الأمن القومي التركي، في حين تسعى إسرائيل إلى منع ظهور قوة عسكرية سورية قادرة على فرض قيود على تحركاتها العسكرية في المنطقة.
وأشار التحليل إلى أن إسرائيل وسعت تحركاتها داخل سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وتوغلت في مناطق تجاوزت خط فصل القوات الموقع عام 1974، بالتوازي مع تنفيذ عمليات عسكرية وغارات جوية بصورة متكررة.
ورأى التحليل أن هذه السياسة الإسرائيلية تهدف إلى فرض وقائع ميدانية تمنح تل أبيب أوراق ضغط إضافية على الحكومة السورية الجديدة وتحد من قدرتها على إعادة بناء منظومتها العسكرية.
وفي المقابل، تعد إعادة إعمار سوريا وتعزيز استقرارها، وفق "ناشيونال إنترست"، من المصالح الأساسية لتركيا، التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بعلاقات وثيقة مع أطراف المعارضة التي باتت تدير دمشق بعد سقوط النظام.
ولفت التقرير إلى أن أنقرة بدأت تدريب قوات من الجيش السوري في تشرين الأول 2025، قبل أن تشارك قوات سورية، للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، في مناورات "إفيس" العسكرية التي أقيمت في تركيا خلال ربيع العام الجاري.
ورأت المجلة أن الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في شمالي سوريا مثّلت مؤشراً واضحاً على تصاعد حدة المنافسة بين إسرائيل وتركيا.
ففي 18 آب الماضي، نفذت إسرائيل ثماني غارات على المطار الواقع على مسافة تقارب 70 كيلومتراً من الحدود التركية، وهو ما منح العملية أهمية مختلفة عن العديد من الضربات الإسرائيلية السابقة داخل سوريا.
وفي اليوم التالي، أكدت إسرائيل تنفيذ الهجوم، وقالت إن سوريا كانت تستعد، وفق زعمها، للسماح بنشر قوات تركية في القاعدة، وهو ما اعتبرته تل أبيب تجاوزاً لتفاهمات أمنية.
في المقابل، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن ضباطاً أتراكاً زاروا القاعدة لأغراض تدريبية، مؤكداً حق سوريا السيادي في إقامة تعاون عسكري مع أي دولة.
وبحسب التحليل، تكشف هذه الحادثة أن الخلاف لم يعد متعلقاً فقط بنفوذ سياسي أو دبلوماسي تركي داخل سوريا، وإنما انتقل إلى مسألة بناء القدرات العسكرية السورية والحدود التي تريد إسرائيل فرضها على التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة.
وأشار التحليل إلى أن تركيا وإسرائيل حاولتا خلال عام 2025 إنشاء آلية لمنع التصادم العسكري المباشر في سوريا بوساطة أذربيجان، وذلك عقب ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية في مطارات ومناطق "T4" وتدمر وحماة، وأسهمت في حينه في منع انتشار تركي في تلك المواقع.
إلا أن كاتبي التحليل اعتبرا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تعرض هذه الآلية لضغوط متزايدة.
وبعد يومين من غارات أبو الظهور، وجه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحذيراً شديد اللهجة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مؤكداً أن تل أبيب ستمنع أي جهة من تهديد أمنها، في حين دعت وزارة الدفاع التركية إسرائيل إلى وقف ما وصفته بـ"الهجمات المتهورة".
وتعتقد "ناشيونال إنترست" أن أحد أبرز أبعاد التنافس بين البلدين يتعلق بالسيطرة على المجال الجوي السوري.
فالجيش السوري الأقوى والمدعوم من تركيا، ولا سيما في حال امتلاكه منظومات رادار وقدرات دفاعية متقدمة، يمكن أن يحد مستقبلاً من حرية حركة الطائرات الإسرائيلية عبر الأجواء السورية لتنفيذ عمليات في المنطقة.
ومن وجهة نظر أنقرة، فإن تطوير قدرة دمشق على مراقبة مجالها الجوي ومنع الانتهاكات الخارجية يمثل جزءاً من إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز أمن دولة تعدها تركيا امتداداً مباشراً لمجالها الأمني.
أما إسرائيل، وفق التحليل، فتسعى إلى ضمان عدم نشوء واقع عسكري جديد يقيد قدرتها على العمل في الأجواء السورية أو يقلص التفوق العسكري الذي تتمتع به في المنطقة.
ورغم مستوى التصعيد المتزايد، استبعد الكاتبان اندلاع حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل في المرحلة الحالية، مشيرين إلى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي "الناتو" والعلاقات الوثيقة التي تربط إسرائيل بالدول الغربية.
ويرجح التحليل بدلاً من ذلك اتساع نطاق "الحرب الباردة" بين الطرفين، بحيث تتحول سوريا إلى أبرز ساحاتها.
ويعني ذلك، وفق الكاتبين، أن دمشق قد تجد نفسها عالقة بين قوتين إقليميتين تسعيان إلى تعزيز نفوذهما وتحسين مواقعهما الاستراتيجية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على عملية إعادة بناء الدولة السورية.
كما رأت المجلة أن تركيا لن تقبل على المدى البعيد بأن تحدد إسرائيل منفردة البيئة الأمنية داخل سوريا، وأن أنقرة قد تستمر في اختبار "الخطوط الحمراء" الإسرائيلية، على غرار ما يعتقد الكاتبان أنه حدث في مطار أبو الظهور.
وأضافت أن السياسة التركية في سوريا منذ عام 2011 أظهرت استعداد أنقرة لاختبار موازين القوى وتغيير الوقائع على الأرض عندما ترى أن مصالحها الأمنية معرضة للخطر.
ولا يقتصر التنافس التركي - الإسرائيلي، وفق التحليل، على سوريا، بل يمتد إلى شرقي البحر المتوسط والقرن الإفريقي.
وأشار الكاتبان إلى تعزيز إسرائيل شراكاتها الأمنية مع اليونان وقبرص، في الوقت الذي تعمل فيه تركيا على توسيع علاقاتها مع دول أخرى في المنطقة، فضلاً عن حضورها العسكري والأمني الواسع في الصومال.
وفي القرن الإفريقي، تدعم تركيا وحدة الأراضي الصومالية واستثمرت بصورة كبيرة في التعاون العسكري والبحري مع مقديشو، في حين اعتبر التحليل أن العلاقات الإسرائيلية مع "أرض الصومال" تشكل تحدياً للمصالح التركية هناك.
ويرى الكاتبان أن تركيا وإسرائيل لا تقودان حتى الآن كتلتين إقليميتين متقابلتين بشكل رسمي، لكنهما تعملان تدريجياً على بناء شبكات أمنية وتحالفات متنافسة، وهو ما قد يجعل سوريا الجبهة الأكثر حساسية وخطورة في حال تعمق هذا الاستقطاب الإقليمي.
ويخلص تحليل "ناشيونال إنترست" إلى أن سقوط نظام الأسد منح سوريا فرصة هشة لإعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب، إلا أن المنافسة الإسرائيلية - التركية تهدد بتعقيد هذه المهمة.
وبحسب الكاتبين، ترى أنقرة في وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على أداء وظائفها الأمنية والسياسية مصلحة مباشرة لها، في حين تؤدي التدخلات العسكرية الإسرائيلية إلى إضعاف قدرة دمشق على استعادة سيادتها وبناء مؤسساتها.
وحذرا من أن استمرار الصراع بهذه الوتيرة سيجعل مهمة الحكومة السورية في بناء القدرات اللازمة لضمان أمن البلاد واستقرارها أكثر صعوبة، مؤكدين أن السوريين يحتاجون إلى فرصة لإعادة بناء بلدهم بعيداً عن صراعات القوى الإقليمية.
المصدر: مجلة The National Interest الأميركية، مقال بعنوان “Are Israel and Turkey Headed for a Cold War in Syria?” للباحثين ألكسندر لانغلوا ويارا بطاينة، منشور في 8 أيلول/سبتمبر 2026.