رياضة > من الطرد إلى كأس العالم.. نهاية رحلة ميسي الدولية
2026-09-01
بعد 20 عاماً من ارتداء قميص الأرجنتين، أسدل ليونيل ميسي الستار على مسيرته الدولية، ليضع حداً لواحدة من أكثر الرحلات الكروية استثنائية في التاريخ.
فمن بطاقة حمراء تلقاها بعد ثوانٍ من ظهوره الأول عام 2005، إلى قيادة بلاده نحو كأس العالم والتتويج بكوبا أميركا مرتين، تحول ميسي من فتى موهوب تحيط به الشكوك إلى أحد أعظم اللاعبين الذين ارتدوا قميص المنتخب الأرجنتيني.
وأعلن ميسي، البالغ من العمر 39 عاماً، اعتزاله اللعب الدولي رسمياً يوم 31 أغسطس/آب 2026، بعد أسابيع من خسارة الأرجنتين أمام إسبانيا في نهائي كأس العالم 2026. وأنهى قائد "ألبيسيليستي" مسيرته الدولية بوصفه صاحب الرقم القياسي في عدد المباريات والأهداف مع المنتخب، بعدما خاض 207 مباريات وسجل 125 هدفاً، إلى جانب قيادته الأرجنتين إلى كأس العالم 2022، وكوبا أميركا عامي 2021 و2024، والفيناليسيما 2022، والذهب الأولمبي عام 2008.
بدأت حكاية ميسي مع المنتخب الأرجنتيني الأول في 17 آب 2005، عندما خاض مباراته الدولية الأولى أمام المجر في العاصمة بودابست. دخل اللاعب الشاب بديلاً في الشوط الثاني، لكنه لم يحتج سوى ثوانٍ قليلة قبل أن يحصل على بطاقة حمراء، في بداية لم يكن أحد يتوقع أن تكون مقدمة لمسيرة ستعيد رسم تاريخ المنتخب الأرجنتيني.
بعد أقل من عام على ظهوره الدولي الأول، استدعى المدرب خوسيه بيكرمان ميسي إلى كأس العالم 2006 في ألمانيا. شارك اللاعب البالغ من العمر 18 عاماً بديلاً أمام صربيا والجبل الأسود في دور المجموعات، ودخل أرض الملعب في الدقيقة 74 والنتيجة تشير إلى تقدم الأرجنتين 3-0.
ولم يحتج ميسي سوى دقائق قليلة ليترك بصمته، إذ صنع هدفاً لهيرنان كريسبو ثم سجل بنفسه الهدف السادس في انتصار الأرجنتين 6-0. وأصبح بذلك أصغر لاعب أرجنتيني يسجل في كأس العالم آنذاك، ليعلن عن نفسه مبكراً على أكبر مسرح كروي في العالم.
في عام 2007، خاض ميسي أول نهائي كبير له مع المنتخب الأول عندما وصلت الأرجنتين إلى نهائي كوبا أميركا في فنزويلا. لكن البداية الجديدة لم تحمل لقباً، إذ خسرت الأرجنتين أمام البرازيل بثلاثة أهداف دون رد.
كانت تلك الخسارة بداية سلسلة من النهائيات الخاسرة التي لاحقت ميسي لسنوات طويلة، وجعلته في مواجهة سؤال دائم حول قدرته على ترجمة موهبته الفردية إلى ألقاب مع المنتخب، مقابل إنجازاته في ناديه برشلونة.
جاء أول تتويج كبير لميسي مع الأرجنتين في أولمبياد بكين 2008، عندما ساهم مع المنتخب الأولمبي في الفوز بالميدالية الذهبية. ورغم أن البطولة كانت ضمن منافسات كرة القدم الأولمبية للمنتخبات تحت 23 عاماً، فإن الميدالية كانت أول إنجاز دولي كبير في مسيرة ميسي بقميص بلاده.
دخل البرغوث كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا تحت قيادة الأسطورة دييغو مارادونا، الذي تولى تدريب المنتخب.
ورغم الآمال الكبيرة التي أحاطت بالفريق، انتهت المغامرة بخيبة قاسية، بعدما خسرت الأرجنتين أمام ألمانيا بأربعة أهداف دون رد في الدور ربع النهائي. لم ينجح ميسي في تسجيل أي هدف خلال هذه البطولة، ليزداد الضغط عليه مع المنتخب وتزداد المقارنات بينه وبين مارادونا.
وصل ميسي إلى ذروة جديدة في كأس العالم 2014 بالبرازيل، عندما قاد الأرجنتين إلى المباراة النهائية للمرة الأولى في مسيرته.
قدم ميسي بطولة مميزة، سجل خلالها أربعة أهداف وصنع هدفاً، وحصل على جائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب في البطولة. لكن الحلم توقف في المباراة النهائية أمام ألمانيا في ملعب الماراكانا، عندما سجل ماريو غوتزه هدف الفوز في الدقيقة 22 من الوقت الإضافي عندما استقبل عرضية زميله البديل أندريه شورله بلمسة متقنة بصدره، قبل أن يطلق تسديدة مباشرة استقرت في شباك سيرجيو روميرو، مانحاً ألمانيا لقبها العالمي الرابع في واحدة من أكثر لحظات النهائيات رسوخاً في الذاكرة، لتنتهي المباراة 1-0 وتتبدد فرصة ميسي الأولى لرفع كأس العالم.
بعد عام واحد من خسارة نهائي كأس العالم، وصلت الأرجنتين إلى نهائي كوبا أميركا 2015 في تشيلي. واجه ميسي ورفاقه أصحاب الأرض، لكن المباراة انتهت بالتعادل قبل أن تحسم تشيلي اللقب بركلات الترجيح.
كانت الخسارة ضربة جديدة لميسي، الذي أصبح قريباً من اللقب الدولي الكبير دون أن يتمكن من رفعه.
تكرر السيناريو في نهائي كوبا أميركا 2016، عندما خسرت الأرجنتين أمام تشيلي بركلات الترجيح مرة أخرى.
كانت الصدمة هذه المرة أكبر، عندما أهدر ميسي إحدى ركلات الترجيح. وبعد المباراة أعلن، وهو في التاسعة والعشرين من عمره، اعتزاله اللعب الدولي، في قرار صدم الجماهير.
قال ميسي في ذلك الوقت إنه بذل كل ما يستطيع، وإن خسارة النهائي الرابع كانت مؤلمة بصورة تفوق قدرته على الاحتمال. بدا أن قصة ميسي مع الأرجنتين وصلت إلى نهايتها، لكن تلك النهاية لم تستمر طويلاً.
بعد أسابيع من إعلان اعتزاله، تصاعدت الدعوات المطالبة بعودة ميسي إلى صفوف المنتخب الأرجنتيني، وانضم إلى الجماهير في ذلك زملاؤه ونجوم كرة القدم وشخصيات رياضية بارزة في البلاد.
استجاب ميسي للمناشدات وتراجع عن قرار الاعتزال، ولم يكن يعلم حينها أن هذه العودة ستقوده إلى تحقيق الألقاب التي ظلت بعيدة عنه طوال السنوات السابقة.
دخل ميسي كأس العالم 2018 في روسيا محمّلاً بآمال الجماهير الأرجنتينية، إلا أن مشوار البطولة لم يأتِ على النحو الذي تمناه قائد التانغو.
تأهلت الأرجنتين من دور المجموعات بصعوبة، قبل أن تواجه فرنسا في دور الـ16، بدأت المباراة وبعد التعادل 2-2، قلبت فرنسا المباراة بفضل تألق كيليان مبابي الذي سجل هدفين متتاليين، لتتقدم 4-2. ورغم تقليص سيرخيو أغويرو الفارق في الوقت بدل الضائع بتمريرة من ميسي.
وانتهت المباراة بفوز فرنسا 4-3، لتغادر الأرجنتين البطولة، بينما ظل كأس العالم بعيداً عن ميسي.
في كوبا أميركا 2019، واصلت الأرجنتين بحثها عن اللقب الغائب، لكنها خسرت أمام البرازيل في نصف النهائي بهدفين دون رد.
وبعد ذلك أنهت الأرجنتين البطولة في المركز الثالث بعد فوزها على تشيلي 2-1، لكن المباراة شهدت لحظة مثيرة للجدل بطرد ليونيل ميسي بعد اشتباك مع التشيلي غاري ميديل، الذي تلقى البطاقة الحمراء أيضاً.
كانت تلك البطولة واحدة من آخر محطات ميسي قبل التحول الكبير الذي سيحدث في علاقته بالمنتخب.
جاءت اللحظة التي انتظرها ميسي طويلاً في كوبا أميركا 2021.
قاد قائد الأرجنتين المنتخب إلى النهائي أمام البرازيل في ملعب ماراكانا، وانتهت المباراة بفوز الأرجنتين 1-0 بهدف أنخيل دي ماريا.
لم يكن ذلك اللقب مجرد بطولة قارية، بل كان لحظة تحرر بالنسبة إلى ميسي. وبعد خسارة نهائي كأس العالم 2014 ونهائيي كوبا أميركا 2015 و2016، رفع أخيراً أول لقب كبير له مع المنتخب الأول.
وانهمرت دموع ميسي عقب صافرة النهاية، في صورة أصبحت من أشهر صور مسيرته الدولية، بعدما تحرر أخيراً من الانتقادات التي لازمته لسنوات بسبب عدم الفوز مع الأرجنتين.
بعد حوالي عام على الفوز بكوبا أميركا، أضاف ميسي لقباً دولياً جديداً إلى سجله عندما قاد الأرجنتين للفوز على إيطاليا بثلاثية نظيفة في مباراة الفيناليسيما.
شكل اللقب محطة أخرى في سلسلة الانتصارات التي أعادت المنتخب الأرجنتيني إلى قمة كرة القدم العالمية، ومهدت الطريق إلى الإنجاز الأكبر في قطر.
في 2022، اكتملت الحكاية التي انتظرها ميسي وجماهير الأرجنتين طوال سنوات.
بدأت الأرجنتين مونديال قطر بخسارة صادمة أمام السعودية 2-1، لكنها استعادت توازنها وتجاوزت المكسيك وبولندا، ثم أطاحت بأستراليا وهولندا وكرواتيا في الأدوار الإقصائية.
وفي النهائي أمام فرنسا، فرّطت الأرجنتين في تقدمها مرتين وسجل ميسي هدفين بعدما أدرك كيليان مبابي التعادل 3-3، قبل أن تحسم ركلات الترجيح اللقب لصالحها 4-2، لتتوج بكأس العالم للمرة الثالثة في تاريخها، وتمنح ميسي اللقب العالمي الذي انتظره طويلاً.
رفع ميسي كأس العالم وهو في الخامسة والثلاثين، محققاً الحلم الذي طارده منذ ظهوره الأول في البطولة. كما حصل على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال، ليصبح أول لاعب يفوز بالجائزة مرتين.
وبذلك، خرج ميسي من ظل المقارنة المستمرة مع دييغو مارادونا، بعدما قاد الأرجنتين إلى المجد العالمي وأصبح بطلاً للعالم بقميص بلاده.
واصل ميسي تحطيم الأرقام القياسية مع الأرجنتين، وفي آذار 2023 سجل ثلاثية أمام كوراساو في مباراة ودية، ليصل إلى 100 هدف دولي مع المنتخب، وقاد الفريق إلى انتصار ساحق على ضيفه بسباعية نظيفة.
وأصبح بذلك أول لاعب من أميركا الجنوبية يصل إلى هذا الرقم، والثالث عالمياً في ذلك الوقت، ليواصل توسيع الفارق بينه وبين منافسيه على صدارة هدافي الأرجنتين.
واصل ميسي رحلة الألقاب مع الأرجنتين في كوبا أميركا 2024، عندما قاد المنتخب إلى الاحتفاظ باللقب القاري.
وفي النهائي أمام كولومبيا، حسمت الأرجنتين المباراة لصالحها بهدف نظيف، لتتوج بكوبا أميركا للمرة الثانية على التوالي بقيادة ميسي.
وبذلك أصبح ميسي بطلاً للعالم وبطل كوبا أميركا مرتين، في تحول كامل لمسيرته التي كانت حتى سنوات قليلة مضت مرتبطة بالنهائيات الضائعة أكثر من البطولات.
واصل ميسي خلال عامي 2024 و2025 كتابة الأرقام القياسية مع المنتخب الأرجنتيني، وسجل 6 أهداف في 2024 و3 أهداف في 2025. كما عزز موقعه بوصفه الهداف التاريخي للمنتخب، قبل أن ينهي تصفيات كأس العالم في أميركا الجنوبية برصيد 36 هدفاً في 72 مباراة، منفرداً بصدارة هدافي التصفيات عبر تاريخها.
وبعد سنوات من مطاردة الأرقام، أصبح ميسي في نهاية هذه المرحلة صاحب مجموعة واسعة من الأرقام القياسية الفردية على المستويين الأرجنتيني والقاري والعالمي.
دخل ميسي كأس العالم 2026 وهو في التاسعة والثلاثين، مدركاً أن البطولة قد تكون آخر فصل في علاقته بالمنتخب.
وفي مشاركته الدولية رقم 200، سجل ثلاثية أمام الجزائر، ليصبح في عمر 38 عاماً و357 يوماً أكبر لاعب يسجل ثلاثية في تاريخ كأس العالم.
واصل ميسي التألق خلال البطولة، وسجل ثمانية أهداف، رافعاً رصيده في تاريخ كأس العالم إلى 21 هدفاً، كما واصل صناعة الأهداف ليرسخ رقمه القياسي في التمريرات الحاسمة بالمونديال.
واصلت الأرجنتين مشوارها في كأس العالم 2026 حتى المباراة النهائية، ليخوض ميسي النهائي المونديالي الثالث في مسيرته، بعد نهائيي 2014 و2022.
وفي النهائي، واجهت الأرجنتين إسبانيا في مباراة امتدت إلى الوقت الإضافي. وبعد أكثر من 120 دقيقة من الصراع، خسرت الأرجنتين بهدف دون رد، لتضيع فرصة ميسي في إنهاء مسيرته بلقب عالمي ثانٍ.
ورغم الخسارة، بقيت بطولة 2026 واحدة من أهم محطات مسيرته، بعدما تمكن اللاعب البالغ 39 عاماً من مواصلة التسجيل وصناعة التاريخ ، حيث سجل ليونيل 8 أهداف في البطولة الأولى من نوعها بمشاركة 48 منتخب، خلال 7 مباريات.
شكل نهائي كأس العالم أمام إسبانيا المباراة الأخيرة لميسي بقميص الأرجنتين.
وبعد صافرة النهاية، بدأت التكهنات حول مستقبله الدولي، لكن ميسي كان قد حسم قراره بالفعل. فقد كتب رسالة اعتزاله بعد يومين فقط من خسارة النهائي، قبل أن يعلنها رسمياً في 31 آب 2026.
وهكذا، انتهت مسيرة ميسي الدولية من الملعب الذي شهد آخر محاولة له لرفع كأس العالم، وجاء الإعلان عبر منشور على حسابه في إنستغرام تضمن صورة لصفحة مكتوبة بخط اليد. وأوضح ميسي أن قرار الاعتزال كان مؤلماً، لكنه أدرك أن وقته مع المنتخب وصل إلى نهايته، وأن هناك جيلاً جديداً من اللاعبين يستحق فرصة حمل الراية.
وكشف ميسي أن قرار الاعتزال كُتب في 21 يوليو/تموز، أي بعد يومين فقط من خسارة نهائي كأس العالم أمام إسبانيا، قبل أن تتعزز قناعته بالقرار بعد وفاة والده خورخي ميسي في أغسطس/آب.
أرقام تختصر 21 عاماً
بعد 20 عاماً، يغادر ميسي المنتخب الأرجنتيني بوصفه أكثر لاعبيه مشاركة وهدافه التاريخي وقائد الجيل الذي أعاد البلاد إلى قمة كرة القدم العالمية.
فقد جمع بين كأس العالم وكوبا أميركا والفيناليسيما والذهب الأولمبي، وحطم عشرات الأرقام القياسية، وترك خلفه لحظات ستظل حاضرة في ذاكرة الجماهير، من هدفه الأول في كأس العالم عام 2006، إلى دموع ماراكانا عام 2021، واحتفاله بكأس العالم في لوسيل عام 2022.
ومن روزاريو إلى بودابست، ومن النهائيات الضائعة إلى كأس العالم، ومن بطاقة الطرد الأولى إلى قميص القائد، اكتملت رحلة ليونيل ميسي مع الأرجنتين.
انتهت مسيرته الدولية، لكن عصر ميسي مع "ألبيسيليستي" سيبقى حاضراً في ذاكرة كرة القدم بوصفه واحداً من أكثر الفصول اكتمالاً وإثارة في تاريخ اللعبة.