رياضة > بعد رباعية البرتقالي.. رايكوفيتش في دمشق ومشروع الوحدة يتجاوز حدود اللقب
2026-09-20
في عالم الرياضة، لا تعني منصات التتويج دائماً الوصول إلى النهاية، بل غالباً ما تكون بداية لتحدٍ أشد صعوبة. فحين يتحول الفوز إلى عادة، يصبح الحفاظ على القمة أصعب بكثير من الوصول إليها، وحين يعتاد الجمهور على رفع الكؤوس، يقع على عاتق الإدارة الرهان الأكبر: البحث عن "الحلم التالي" قبل أن يبرد وهج الإنجاز السابق.
من هذا المنطلق، تُقرأ التحركات الأخيرة لإدارة نادي الوحدة الدمشقي في ملف كرة السلة؛ فالأورانجي، الذي فرض سيطرته المطلقة على لقب الدوري السوري لأربعة مواسم متتالية، يرفض الاكتفاء بالعيش على ذاكرة الانتصارات أو الاطمئنان لما تحقق في الماضي.
وتسعى إدارة النادي من خلال خطواتها الجديدة إلى رسم معالم مرحلة أكثر اتساعاً وطموحاً، تتجاوز حدود الحضور المحلي القوي لتتجه نحو إثبات الذات خارجيًا. وتأتي هذه التحركات في إطار إعادة تشكيل وهيكلة الفريق ليكون قادراً باستمرار على حمل اسم نادي الوحدة، بكل ما يمثله من تاريخ حافل، وقاعدة جماهيرية عريضة، وثقل رياضي كبير.
وفي قلب هذه الرؤية، وصل إلى العاصمة دمشق المدرب الصربي ميودراغ رايكوفيتش، ليبدأ مهمته الجديدة مع البرتقالي، وكان في مقدمة مستقبليه مشرف اللعبة الكابتن سعد مهايني، في مشهد يحمل دلالة واضحة على أن ساعة العمل الفعلي قد دقت، وأن المشروع الوحداوي بدأ ينتقل من الأوراق والطموحات إلى أرض الملعب.
لا يدخل المدرب رايكوفيتش إلى التجربة السورية من بوابة مجهولة، فالمدرب الصربي، المولود عام 1971 في بلغراد، وخريج كلية الرياضة في جامعتها، حمل معه إلى دمشق تجربة طويلة امتدت بين مدارس أوروبية وآسيوية مختلفة.
وتبدو مسيرته أشبه بخريطة واسعة من التجارب، تنقل خلالها بين كرواتيا وصربيا واليابان والمجر وبولندا، وعمل مع أندية عدة، من بينها شلونسك البولندي، وسولنوكي المجري، وياماغاتا وطوكيو اليابانيان، إضافة إلى ميغا فيزورا الصربي.
وفي سجله أيضاً مجموعة من المحطات المهمة، أبرزها الفوز بالدوري البولندي الممتاز، والتتويج بكأس السوبر البولندي مرتين عامي 2014 و2024، فضلاً عن حصوله على جائزة مدرب العام لموسم 2012/2013، ومشاركته ضمن الجهاز التدريبي في بطولة كأس العالم للشباب.
لكن ربما تكون تجربته مع ياماغاتا الياباني واحدة من أكثر محطاته دلالة، بعدما قاد الفريق إلى نهائي الدوري للمرة الأولى في تاريخ النادي.
وهنا تحديداً تراهن إدارة الوحدة على المدرب الجديد، ليس فقط باعتباره صاحب سيرة تدريبية، وإنما باعتباره جزءاً من محاولة لصناعة شخصية جديدة للفريق.
بعد أن حسمت الإدارة واحدة من أهم خطواتها بالتعاقد مع المدرّب الصربي راكوفيتش ، جاء الدور على استكمال الجهاز الفني، فوقع الاختيار على المدرّب اللبناني عبدالله حجازي، صاحب التجربة الطويلة في الملاعب العربية والآسيوية، ليكون أحد أعضاء الجهاز الفني للفريق، إضافة إلى المدرب الوطني يوسف مناع كمدرب مساعد أيضاً.
تحركت الإدارة على أكثر من جبهة في سوق اللاعبين المحليين، ونجحت في ضم ديفيد هرمز وكامل عبدالله القادمين من نادي أهلي حلب، كما أعادت عمر إدلبي إلى صفوف الفريق بعد تجربته مع حمص الفداء.
ولم يكن هدف الإدارة فتح أبواب الفريق أمام أسماء جديدة فقط، بل الحفاظ أيضاً على بعض ركائزه، حيث جددت عقود عدد من اللاعبين، وفي مقدمتهم مجد عربشة وميار البلبيسي وكريستان ماران، في محاولة لتحقيق توازن بين التجديد والمحافظة على الاستقرار.
وفي المقابل، شهدت القائمة بعض التغييرات، فغادر اللاعب الشاب مجد معقد باتجاه سلة الحرية، فيما حسم اللاعب نديم عيسى وجهته بالانضمام إلى الشبيبة.
وهكذا تبدو خريطة الوحدة الجديدة في طور التشكل، بين أسماء وصلت، وأخرى جددت، وثالثة غادرت، بينما تبقى القطعة الأهم التي تنتظرها الجماهير معلقة في سوق المحترفين.
في الأندية الكبيرة، هناك دائماً لاعب ينتظره الجمهور قبل أن يعرف اسمه، لأن الصفقة الأجنبية لا تكون مجرد إضافة عددية إلى القائمة، وإنما قد تتحول إلى عنوان للمشروع بأكمله.
وفي الوحدة، يبدو أن الإدارة تتعامل مع هذا الملف بهدوء، بعيداً عن الاستعجال والإعلانات المبكرة، بحثاً عن لاعبين من مستوى قادر على منح الفريق قوة إضافية في الاستحقاقات المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه الفريق لخوض بطولة دمشق الدولية التي تنطلق في الثامن من تشرين الأول المقبل، لتكون البطولة محطة مهمة في اختبار التوليفة الجديدة، وخصوصاً أن المنافسة فيها ستكون فرصة حقيقية لقياس مدى انسجام الفريق مع مدربه الجديد.
ويؤكد مشرف اللعبة الكابتن سعد مهايني أن الطموح واضح: نسعى إلى تحضير فريق يليق بسمعة نادي الوحدة، بطل الدوري لأربع سنوات متتالية.
ويضيف لموقع سوريا اكسبو: نعمل على ملف اللاعبين الأجانب، وسوف نتعاقد مع لاعبين من طراز النجوم، لأن الفريق تنتظره استحقاقات خارجية كثيرة.
لكن مهايني يفضل إبقاء التفاصيل خلف الأبواب في الوقت الراهن، قائلاً: لن نتحدث عن هوية اللاعبين الأجانب بالوقت الحالي، لأننا لم نتوصل إلى أي اتفاق نهائي مع أي لاعب.
وبينما تنتظر الجماهير أسماء المحترفين، تبدو الإدارة وكأنها تفضل أن تتحدث الصفقة على أرض الملعب بدلاً من أن تتحدث عنها البيانات.
وكما أن طموح الرجال لا يتوقف عند حدود اللقب، فإن فريق السيدات، حامل لقب الدوري الماضي، يحظى هو الآخر باهتمام واضح من إدارة اللعبة.
وفي هذا الإطار نجح مشرف اللعبة سعد مهايني في إتمام التعاقد مع لاعبة الشبيبة ليليت سركيسيان، بعد مفاوضات مع إدارة نادي الشبيبة، لتكون إضافة جديدة إلى الفريق الوحداوي.
وتتمتع سركيسيان بقدرات فنية وهجومية يمكن أن تمنح الفريق خيارات إضافية، خصوصاً أن الدفاع عن اللقب غالباً ما يكون أصعب من الوصول إليه للمرة الأولى.
الوحدة اليوم أمام لحظة مختلفة؛ لحظة لا يكفي فيها أن يقول إنه بطل، لأن البطولة أصبحت جزءاً من الماضي القريب، فيما المستقبل يحتاج إلى عمل مختلف.
وصول رايكوفيتش إلى دمشق ليس مجرد وصول مدرب جديد، والتعاقد مع لاعبين محليين ليس مجرد تبديل في الأسماء، والبحث عن محترفين أجانب ليس مجرد استكمال لقائمة الفريق.
إنها، في صورتها الأوسع، محاولة لصناعة فريق جديد من رحم فريق اعتاد أن يكون في القمة.