2026-09-21
هل يمكن لضغوطك النفسية أن تتحول فعلياً إلى ألم في جسدك؟ هل تساءلت يوماً لماذا تختار أمراض معينة أشخاصاً بعينهم؟ وهل يمكن أن تكون طيبتك الزائدة أو صبرك الطويل سبباً في تعب أعضائك؟ كيف تتحول الكلمات التي تخاف قولها إلى أعراض مرضية؟ وما هو دور طفولتك في تشكيل صحتك اليوم؟ هل يمكن للغضب المكبوت أن يهاجم مناعتك من الداخل؟

رغم أن تعامل الطب الحديث مع الإنسان كـ "آلة" أتاح تفكيك أجزاء الجسم وتطوير علاجات متقدمة، إلا أنه اختزل الكيان البشري في أجزاء منفصلة. أصبح العلاج يركز على صيانة "العضو المعطوب" بدلاً من مداواة الإنسان ككل، مُستبعدًا الأثر المباشر للأنماط النفسية والصدمات والمشاعر في إحداث المرض.

من هذا المأزق المعرفي ينطلق الطبيب والكاتب الكندي-المجري جابور ماتيه (Gabor Maté) في كتابه «عندما يقول الجسد لا: دليل شامل لتأثير الضغط النفسي على الجسد وسبل الشفاء منه». لا يقدم ماتيه في هذا العمل مجرد دليل إرشادي للرعاية الذاتية أو كتاباً مبسطاً في التنمية البشرية، بل يطرح دراسة نقدية وعيادية عميقة تفكك هيمنة "العقلانية الأداتية" والنموذج الطبي الحيوي الضيق، معيداً الاعتبار لتلك الحكمة المفقودة التي طالما صرحت بها التقاليد الإنسانية القديمة: إن العقل والجسد ليسا سوى تجليين ثنائيين لكيان غير قابل للانقسام.

إن الأطروحة المحورية التي ينسج ماتيه حولها نسيج كتابه الحجاجي تتلخص في أن الأمراض المزمنة وأمراض المناعة الذاتية والسرطانات ليست أحداثاً بيولوجية معزولة أو مجرد حوادث جينية عشوائية، بل هي في جوهرها تجسيد فسيولوجي للغضب المكبوت، وللألم العاطفي الذي لم يجد مساراً للتعبير الرمزي أو اللفظي. إن المرض، في هذا النسيج الفكري المتكامل، يتحول إلى لغة بيولوجية بديلة، فعندما يعجز العقل الواعي -تحت ضغوط التكيف الاجتماعي والشديد من الصدمات المبكرة- عن قول كلمة "لا" للحفاظ على حدوده الذاتية والنفسية، فإن الجسد يتولى هذه المهمة النبيلة والكارثية في آن واحد، فيقول "لا" عبر أعراض جسدية تفكك النسيج الضام، أو تهاجم الجهاز العصبي، أو تحفز الانقسام الخلوي الفوضوي.



يبدأ ماتيه مساره بفتح سبرٍ عميق للتاريخ الشخصي لمرضاه، رافضاً الاكتفاء باللوحة السريرية الظاهرة أو التقارير المختبرية الصماء. إنه يتتبع قصة "ماري"، تلك المرأة الأربعينية الوديعة التي عانت من متلازمة رينود وتصلب الجلد، وهو مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه الجهاز المناعي النسيج الضام فيكتسي الجلد والأعضاء الداخلية بقسوة صلبة تعوق الحياة. تتجاوز نظرة ماتيه النقدية التشخيص الشكلي ليتساءل: ما الذي يدفع الجهاز المناعي، المكلف بحماية الذات، إلى خوض هذه "الحرب الأهلية" الشرسة ضد أجهزة الجسم ذاتها؟

عبر الإنصات العميق -الذي غاب عن الممارسة الطبية الحديثة- يتكشف أن ماري قد صِيغت حياتها في أتون صدمة طفولية ممتدة، فقد تعرضت للإهمال وسوء المعاملة، وتخلت عنها أسرتها، لتجد نفسها في سن السابعة مسؤولة عن حماية أخواتها الصغيرات في بيئة مضطربة. تعلمت ماري مبكراً أن أمانها ومكانتها يكمنان في الانصياع المفرط، وفي كبت مشاعر الخوف والغضب، وتلبية احتياجات الآخرين على حساب وجودها الذاتي. لقد صممت كينونتها العاطفية على حظر كامل لكلمة "لا". وهنا، يطرح سؤالا ثاقبا: ألم يكن تصلب جلد ماري وتصلب مريئها ورئتيها سوى التجسيد المادي والتصلب الفسيولوجي للتصلب العاطفي الذي فرضته على نفسها لحماية الآخرين؟ لقد صار الجسد يصرخ بالرفض نيابة عن عقل اعتاد الاستسلام.

تتكرر هذه الديناميكية الفسيولوجية-النفسية في حالة "ناتالي"، الممرضة التي أصيبت بالتصلب المتعدد في أعقاب تراكم مهول للضغوط النفسية والعاطفية، بدءاً من معالجة إدمان ابنها المراهق، وصولاً إلى إصابة زوجها بسرطان الأمعاء والكبَد. طوال هذه السيرورة المضنية، كانت ناتالي تمارس دور الراعي الذي لا ينضب، مضحية بحدودها البيولوجية والعاطفية لإسناد من حولها. إن تآكل غشاء الميالين (Myelin) المبطن للأعصاب لدى ناتالي لم يكن مجرد خطأ فسيولوجي عشوائي، بل كان الاستجابة البيولوجية لإنهاك جهاز عصبي تعرض لضغط مزمن دون منفذ لإفرغ محموله العاطفي.

إن هاتين الحالتين وغيرهما من الحالات التي يسوقها ماتيه عبر فصول الكتاب، تعكس ما يمكن تسميته بـ "السومتة" (Somatization) أو التجسيد البيولوجي، وهي العملية التي يتحول فيها المعنى النفسي والوجودي غير المعالج إلى مجرى أركيولوجي يصيب الأنسجة والأعضاء. إن الجسد هنا لا يعمل بصفته وعاءً بيولوجياً محايداً، بل بصفته مسرحاً درامياً تتصارع فيه الرغبة في الوجود المتأصل مع إملاءات الواجب والتكيف القسري.

لا يقف ماتيه عند حدود الملاحظة العيادية للمرضى، بل يمارس شجاعة نقدية عالية عندما يضع ذواته ونشأته الشخصية تحت المجهر. إن اعتراف الكاتب بتجربته كطفل نجى بأعجوبة من أهوال الإبادة الجماعية (الهولوكوست) في بودابست عام 1944 يمنح الأطروحة بعداً خبراً وموضوعياً في الآن ذاته. فقد قُتل أجداده في أوشفيتز، وعاشت أمه حالة من الرعب واليأس المطلق لإنقاذ حياته وهو رضيع لم يتجاوز أشهره الأولى.

يقدم ماتيه تحليلاً نفساً-بيولوجياً مبهراً لتلك الفترة التأسيسية، فالرضيع لا يمتلك بعدُ جهازاً مفاهيمياً أو لغوياً لتشفير الخطر، لكنه يمتلك جهازاً عصبياً فائض الاستجابة يستشعر قلق الأم وذعرها وعجزها من خلال التلامس الجسدي ونبرة الصوت ونبضات القلب. لحماية أمه المنهكة من أعباء إضافية، طور ماتيه الرضيع ميكانيزماً دفاعياً غير واعي يتلخص في قمع احتياجاته الخاصة وألمه الذاتي كي لا يشكل عبئاً على أمه. هذا التكيف الدفاعي استمر في العمل تلقائياً حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن، ليجده يمتنع شعورياً عن إظهار عرَجه أو ألمه الجسدي أمام أمه الطاعنة في السن عقب خضوعه لعملية جراحية في الركبة.

إن هذه الالتفاتة الذاتية تضيء مفهوماً كبيراً في الفكر النفسي الحديث: إن ما نسميه "شخصية" ليس في كثير من الأحيان سوى أسلوب تكيف دفاعي (Adaptive coping style) جمدته الصدمات المبكرة. إن الخصال التي يُشاد بها اجتماعياً، مثل: الإيثار المفرط، وإرضاء الآخرين، والقدرة العالية على تحمل المكاره، وعدم إظهار الغضب، غالباً ما تكون قناعاً براقاً لآلية قمع عاطفي استجابت لبيئة مبكرة لم تكن آمنة بما يكفي لتسمح للطفل بالتعبير عن ذاته الحقيقية.

وهنا تتجلى خطورة البرمجة البيولوجية المبكرة، فالطفل الذي يتشرب حقيقة مفادها أن بقاءه ومحبتة مشروطان بإلغاء رغباته وقمعه لغضبه، يحمل هذه الخريطة العصبيّة-الهرمونية إلى مرحلة البلوغ. يتحول جهاز الاستجابة للضغط النفسي لديه إلى حالة من النشاط الفائق المزمن (Hyper-arousal) أو الانهيار التكيفي، مما يجعل بيئته الداخلية بيئة خصبة لنشوء الأمراض المستعصية، حيث تتداخل السيرة الذاتية مع البيولوجيا لتشكيل القدر المرضي للإنسان.

على النحو الذي أشار إليه ماتيه بالاستناد إلى أدبيات هانز سيلي (Hans Selye) وولتر كانون (Walter Cannon)، يواجه الطب الحديث أزمة معرفية حادة في نسيانه لوحدة الكائن البشري. ومن أجل الخروج من هذا "المثلث البرمودي الطبي" -الذي تضيع فيه العلاقات المتشابكة بين النفس والجسد- يستحضر الكاتب الثورة المعرفية التي أحدثها علم المناعة العصبية النفسية الهرمونية.

يقوم هذا العلم المتداخل على حقيقة مفادها أن الجهاز العصبي المركزي، وجهاز الغدد الصماء (الهرمونات)، والجهاز المناعي، لا تعمل ككيانات مستقلة، بل تشكل شبكة إرسال واستقبال خلوي موحدة ومتكاملة تتحدث لغة كيميائية وبيوكيميائية واحدة. فالنواقل العصبية، والهرمونات، والسيتوكينات المناعية، تستخدم المتقبلات الخلوية ذاتها، مما يجعل أي انفعال عاطفي أو ضغط نفسي كبتي يترجم فورياً إلى إشارات بيولوجية تغير من سلوك الخلايا المناعية ووظائف الأعضاء.

فعندما يتعرض الكائن البشري لضغط نفسي حاد، ينشط محور (الوطاء - الغدة النخامية - الغدة الكظرية) أو ما يُعرف بـ (HPA Axis)، مما يؤدي إلى إفراز الكورتيزول والأدرينالين لإعداد الجسد للاستجابة البيولوجية القديمة: "الهروب أو المواجهة" (Fight or Flight). هذه الاستجابة كانت ذات قيمة تطورية عالية عندما كان الإنسان يواجه مفترساً في الطبيعة، إذ تزول الاستجابة بزوال الخطر. ولكن، عندما ينبع الضغط النفسي من علاقات اجتماعية قاهرة، أو من قمع عاطفي مزمن، أو من شعور دائم بعدم الكفاية والعزلة، فإن هذا المحور البيولوجي يظل نشطاً دون انقطاع.

إن الإغراق المزمن للجسم بكورتيزول الضغط يؤدي في نهاية المطاف إلى كبح الدفاعات المناعية الطبيعية، وتشويه قدرة الخلايا القاتلة طبيعياً (NK cells) على التمييز بين الخلايا السرطانية أو المعتدية وبين خلايا الذات. وههنا يتفكك اللغز الفسيولوجي لأمراض المناعة الذاتية والسرطان: فالقمع العاطفي المستمر يخل بالتوازن الدقيق للجهاز المناعي، فيتحول من حارس للذات إلى أداة لتدميرها، أو يعجز عن اكتشاف الخلايا الطافرة واستئصالها في مهدها.

إن كتاب ماتيه يتحدى المفهوم الاختزالي للوراثة الجينية، فالجينات لا تعمل في فراغ، بل هي بمثابة "مخطط بناء" ينشط أو يثبط بناءً على البيئة العاطفية والفسيولوجية التي تحيط بالخلية. ومن ثم، فإن الاستعداد الجيني لإصابة مرضية معينة لا يتحول إلى واقع بيولوجي إلا عندما تتضافر معه محفزات الضغط النفسي المزمن والقمع الانفعالي، مما يضع مسألة الصحة والمرض في سياق بيئي وعاطفي شامل يتجاوز التفسيرات الجينية التبسيطية.

أحد أكثر الجوانب حساسية وعمقاً في أطروحة ماتيه يكمن في معالجته لإشكالية "اللوم" مقابل "المسؤولية". فعندما يُطرح الافتراض بأن النمط العاطفي أو أسلوب التكيف قد يساهمان في نشوء أورام سرطانية أو أمراض مناعية مستعصية، غالباً ما يواجه هذا الطرح برفض غاضب من أوساط طبية وأكاديمية.

يمارس ماتيه تدقيقاً مفاهيمياً صارماً لفك هذا الاشتباك الأخلاقي. إن اللوم مقولة أخلاقية إسقاطية تنطوي على الإدانة والشعور بالذنب والذنب الثنائي (الخير والشر)، وهو موقف قاسي لا يستند إلى أي أساس علمي، إذ كيف يُلام مرء على أساليب تكيف طوّرها في طفولته المبكرة دون وعي منه لحماية بقائه العاطفي؟ لا أحد يختار أن يمرض، ولا أحد يختار أن يتلقى صدمات تشوه بناءه النفسي.

في المقابل، تتأسس "المسؤولية" على جذرها اللغوي والفلسفي الأصيل: "القدرة على الاستجابة". إنها تعني استعادة المريض لسلطته الذاتية على حياته وجسده، والانتفال من موقع "الضحية السلبية" للقدر البيولوجي أو التكنولوجي الطبي، إلى موقع الفاعل الواعي المشترك في مسار الشفاء. إن إخفاء الحقائق الفسيولوجية التي تربط المشاعر المكبوتة بالمرض تحت ذريعة حماية المريض من الشعور بالذنب هو في واقع الأمر تجريد له من أهم أداة قد تساهم في تعافيه.

إن النموذج الطبي الغربي، عبر تحويل المريض إلى كائن منفعل يستقبل العلاج العقاقيري أو الجراحي فحسب، قد سلب الإنسان فاعليته الوجودية. بينما يرى ماتيه أن الوعي بكيفية مساهمة حياتنا العاطفية في اعتلال أجسادنا ليس دعوة للشعور بالخزي، بل هو النقطة التي يبدأ منها التحول الحقيقي. فالخزي يشل الإرادة، بينما الوعي يحررها.

في الجزء الأخير من عمله النظري والعيادي، يسوغ جابور ماتيه رؤيته للتعافي عبر مسار يبتعد عن الوصفات الخارجية الجاهزة ليغوص في عمق التحول الذاتي الداخلي. يمكن إعادة قراءة هذه المبادئ وسردها بوصفها سيرورة فلسفية ووجودية متكاملة تنقض المبادئ التي أدت إلى شوائب المرض في المقام الأول:

تبدأ هذه السيرورة بمبدأ "القَبول" وهو ليس استسلاماً سلبياً للمرض، بل هو الشجاعة على الاستبصار بالواقع كما هو، والتوقف عن إنكار الألم العاطفي والجسدي، والاعتراف بأن أجسادنا قد وصلت إلى خط النهاية في قدرتها على تحمل الضغط المكتوم.

يتلو ذلك نمو "الوعي" أي استعادة القدرة على قراءة الإشارات البيولوجية والعاطفية التي يصدرها الجسد قبل أن تتضخم لتصبح أعراضاً مرضية، وفك التشفير عن الأنماط التكيفية القديمة التي لم تعد تخدم بقاءنا.

ثم يأتي دور "الغضب" بوصفه شحنة بيولوجية ونفسية لحماية الحدود الشخصية، فالمقصود هنا ليس الغضب المدمّر أو التجاهل العدواني، بل التعبير الصحي عن الرفض واستعادة القوة الذاتية التي جرى قمعها عقوداً طويلة.

يتشابك مع ذلك مفهوم "الاستقلالية" وهي إعادة رسم حدود الذات والتمييز الحاسم بين احتياجاتنا الأصيلة وبين التوقعات والقيم التي فرضها الآخرون علينا، مما يتطلب الشجاعة الفائقة لقول "لا" للعالم كي نتمكن من قول "نعم" لذواتنا.

تتكامل هذه الاستقلالية عبر "التعاطف" والتواصل العميق مع ذواتنا ومع الآخرين دون ذوبان أو إلغاء للحدود، ويتلوها "السامح والشفاء" الذي يعني التخلي عن أوهام السيطرة على الماضي وعن رغبة الانتقام العقيم، لتقليل العبء الهرموني والنفسي الذي يحمله الكائن البشري.

تكتمل السيرورة بمبدأ "الحقيقة" أي التزام العيش بأصالة وجودية تامة، حيث تتطابق مشاعرنا الداخلية مع سلوكنا الخارجي، وتتوقف الذات عن خيانة نفسها من أجل نيل رضا الآخرين أو الحفاظ على أمان زائف.

إن كتاب ماتيه، يعيد التوازن لنظرتنا حول الصحة والمرض، إنه يدعونا إلى المصالحة مع حكمة أجسادنا، وإلى إدراك أن المرض ليس بالضرورة عدواً محضاً يجب استئصاله بالتكنولوجيا فحسب، بل هو أحياناً الرسالة الأخيرة والتنكيل البيولوجي الأخير لجسد حكيم قرر، نيابة عن أرواحنا المجهدة، أن يقول للضغط والاستغلال والقمع: "لا".

عدد المشاهدات: 23250
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة