2026-02-04
بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، تبدو سوريا وكأنها تقف على مفترق طرق حاسم. فالدولة التي خرجت سريعًا من العزلة الدولية، وحصدت دعمًا سياسيًا وماليًا غير مسبوق، ما تزال في الداخل عالقة بين منطق السلطة الصلبة ومنطق الدولة الجامعة.
هذا التقرير، المنشور في مجلة فورين آفيرز، يتناول مفارقة المرحلة السورية الراهنة: كيف أسهمت البراغماتية السياسية والقبضة الأمنية التي أوصلت القيادة الجديدة إلى دمشق في تحقيق اختراقات خارجية لافتة، لكنها في الوقت نفسه بدأت تُنتج نظام حكم ضيق الأفق يثير مخاوف واسعة لدى السوريين بمختلف انتماءاتهم. ومن خلال تتبّع مسار إعادة التأهيل الدولي، وتفكيك بنية السلطة الناشئة، ورصد التوترات الأمنية والطائفية، يجادل التقرير بأن استقرار سوريا لن يُحسم في العواصم الأجنبية، بل سيتوقف على قدرة القيادة الجديدة في فتح المجال السياسي، وتقاسم السلطة فعليًا، وبناء دولة يشعر السوريون جميعًا بأنها تمثلهم، لا مجرد سلطة جديدة بثوب مختلف.


يقدم موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة ضمن إطار دراسة ملفات العملية الانتقالية في سوريا بعيون الصحافة الغربية، لذا لا يعتبر ذلك تبنياً لموقف كاتب المادة أو المجلة تجاه ما يجري في سوريا.

فيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

على مدار عام كامل، حقق أحمد الشرع المستحيل، فهو لم يسقط النظام الديكتاتوري الذي حكم سوريا لنصف قرن فحسب، بل أيضاً أقنع عواصم الدول الغربية بمجرد تسلمه لقيادة البلد برفع أو تعليق معظم العقوبات المفروضة على سوريا خلال فترة حكم النظام البائد، كما حصل على تعهدات من الدول العربية والغربية بدفع مليارات الدولارات على شكل استثمارات، بل إنه أيضاً انضم للتحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة، أي أن إعادة التأهيل على المستوى الدولي التي حققها الشرع لنفسه ولبلده كانت شيئاً لا يخطر على البال ولا في الأحلام عندما أصبح قائداً لسوريا على أنقاض حكم نظام بشار الأسد.

ولكن، وعلى الرغم من كل تلك الانتصارات الدبلوماسية، تواجه الشرع في الداخل مشكلات ومصاعب كثيرة، فالصفات نفسها التي مكنت هيئة تحرير الشام من الوصول إلى دمشق في كانون الأول 2024 باتت اليوم تعرقل مساعي القيادة الجديدة لإعادة بناء الدولة السورية. فقد كان من الضروري لهياكل القيادة أن تكون ضيقة، إلى جانب إيلاء الأولوية للبقاء مقابل التخلي عن صفاء الفكر العقائدي ونقائه، وكذلك كان لابد من الاستعانة بذكاء لا يعرف الرحمة لتحييد المنافسين، وذلك لتوحيد ثلة متفرقة من التنظيمات الجهادية السابقة وغيرها من التنظيمات المسلحة وتحويلها إلى قوة ضاربة في ساحة الوغى. إلا أنه بعد مرور عام على المرحلة الانتقالية بعد الأسد في سوريا، لم تتمخض تلك السمات إلا عن ظهور نظام حكم ركز السلطات بيد دائرة ضيقة من القادة السابقين في هيئة تحرير الشام الذين لم يقدموا حتى الآن رؤية واضحة بشأن مستقبل سوريا السياسي.

بعد أن حرمت الأقليات الدينية والعرقية وكذلك الأغلبية السنية التي تخشى من المستقبل العقائدي لهذه القيادة الجديدة من أي مشاركة فعالة في المؤسسات السياسية التي تشكلت حديثاً في هذا البلد، بقيت تلك الفئات عاجزة عن تحديد مكانتها أو موقعها في سوريا الجديدة، وقد وصل ذلك التوتر إلى ذروته مؤخراً في شمال شرقي سوريا، حيث هيمنت قوات الحكومة السورية على الأراضي التي بقيت قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية تسيطر عليها لعقد ونيف. ثم إن الاتفاق الذي عقد الأسبوع الماضي بين قسد والحكومة التي بدأت بعملية دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، يمكن أن يبدأ بتخفيف التوتر الآن. غير أن زخم ذلك لا يجوز أن يتوقف عند هذا الحد، لأن عملية الانتقال السياسي في سوريا إذا توقفت، فإن البلد يمكن أن ينجر لدوائر عنف جديدة، ما يهدد بتبديد التقدم الذي أحرزته الحكومة في حصد التأييد والدعم الدولي.

إن السبيل الوحيد لضمان الاستقرار على المدى البعيد يتمثل بانفتاح المنظومة السياسية بشكل فعلي، إذ حتى الآن، بقي الشرع متردداً في تحقيق ذلك، لكنه سياسي حصيف أبدى قدرة على التكيف البراغماتي لتفادي المشكلات قبل تحولها إلى أزمات. فخلال العقد الفائت، نأى بجماعته عن حركة الجهاد العالمية، ووجهها نحو الانحياز الاستراتيجي للشركاء الدوليين. وقبل سقوط الأسد بأشهر قليلة، عندما كانت هيئة تحرير الشام تحكم محافظة إدلب، سمح بقيام إصلاحات محدودة رداً على الاحتجاجات الشعبية التي خرجت في تلك المنطقة. والآن، حتى يحافظ على التقدم الذي أحرزه كرئيس لسوريا ويبني عليه، لا مفر أمامه من منح السوريين سهماً سياسياً حقيقياً في رسم مستقبل البلد.

كانت سرعة سوريا في العودة للتعامل مع العالم ومشاركته مذهلة، إذ عندما سيطرت هيئة تحرير الشام على دمشق، كانت سوريا دولة منبوذة وخاضعة لعقوبات من معظم دول العالم، ويعود السبب الرئيس في ذلك للقمع الذي مارسه نظام الأسد، بل إن هيئة تحرير الشام نفسها كانت على القائمة الموحدة للتنظيمات المحظورة لدى مجلس الأمن الدولي، كما أن الأصول الجهادية لهذه الجماعة أقلقت دول المنطقة من فكرة التعامل معها، كما أن الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب كانا خاضعين لعقوبات مجلس الأمن بسبب ارتباطهما بتنظيم القاعدة، وقد بقيا كذلك حتى تشرين الثاني 2025، ما يعني أن أي دولة تستضيف أياً منهما كان عليها الحصول على إعفاء من الأمم المتحدة قبل استقبالهما. ولكن، وخلال الأشهر الأولى من الوصول إلى السلطة، أعادت الحكومة الجديدة العلاقات مع الدول الأجنبية المعادية مثل روسيا، وحصلت على تعهدات بالمساعدة في مجال إعادة الإعمار من دول الخليج، وأقنعت الدول الغربية بالبدء بعملية رفع العقوبات. وفي تشرين الثاني الماضي، وبتشجيع من واشنطن، أخرج مجلس الأمن الشرع وخطاب من تلك القائمة، على الرغم من أن هيئة تحرير الشام نفسها ما تزال ضمن قائمة العقوبات وذلك لتطمين الصين المتوجسة من انضمام فصيل أويغوري مقاتل للجيش السوري الجديد. وفي الشهر نفسه، زار الشرع البيت الأبيض وألزم حكومته بالتعاون مع التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة.

وهذا الانفتاح على العالم لم يحدث بالتصادف، فقد أدرك قادة سوريا الجدد بأن كسب الشرعية في أعين الشركاء الأجانب، والحصول على دعم مالي واستثمارات باتت سوريا بحاجة ماسة إليها، يعتمد على قدرتهم في تطمين العواصم الغربية بأن الحكومة في دمشق قادرة على معالجة جذر مخاوفهم. وهكذا أطلقت الحكومة حملة للتواصل عرضت من خلالها تعهدات والتزامات حقيقية بالنسبة لقضايا جوهرية، وعلى رأسها مجابهة تنظيم الدولة، وتفكيك البنية التحتية للأسلحة الكيماوية، وحرمان القوات التابعة لإيران من العمل في الأراضي السورية، ودمج آلاف المقاتلين الأجانب ضمن الجيش الوطني وذلك للحد من خطر رحيلهم عن سوريا بحيث يتحول هؤلاء إلى خطر أمني يهدد دولاً أخرى. بيد أن الوفاء بتلك الالتزامات خلال النصف الأول من عام 2025، إلى جانب الضغط الحصيف الذي مارسته قطر والسعودية وتركيا، مهد الطريق أمام تخفيف العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على سوريا بشكل سريع.



وعلى القدر ذاته من الأهمية ظهرت الإدارة البارعة للعلاقات الصعبة من طرف الحكومة السورية الجديدة، فقد حافظت على التعاون مع روسيا التي بقيت تدعم نظام الأسد طوال عقد ونيف، كما قضت تلك الحكومة على النفوذ الإيراني وذلك عبر تفكيك الميليشيات التابعة لإيران، ومنعت الحرس الثوري الإيراني من الوصول إلى البنى التحتية الأمنية لسوريا، مع قطع صلة الوصل البرية بين إيران ووكيلها حزب الله في لبنان. وقد تم كل ذلك مع تجنب أي مواجهة مباشرة مع طهران. وحتى في الوقت الذي كانت إسرائيل تشن مئات الغارات الجوية على أهداف سورية وترسل قواتها البرية لاحتلال أراض أخرى إلى جانب مرتفعات الجولان الواقعة على الحدود بين سوريا وإسرائيل والتي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967 ثم ضمتها إليها رسمياً في عام 1981، حاولت القيادة السورية خفض تصعيد الوضع، وقد شمل ذلك إجراء محادثات مع إسرائيل بوساطة أميركية، وذلك بدلاً من الرد عليها عبر الاستعانة بالقوة العسكرية. غير أن العداء الإسرائيلي للحكومة السورية الجديدة بقي مستحكماً، لكن النهج البراغماتي المنضبط الذي أبدته دمشق تجاه العلاقات الخارجية آتى أُكُله بشكل كبير، فلم يعد أمامها من عدو خارجي خطر سوى إسرائيل، بعدما أحجمت جميع القوى إقليمية أو دولية عن دعم أي معارضة مسلحة في الداخل السوري.

لاشك أن كثيرين رجحوا لعملية الانتقال السياسي في سوريا أن تكون أشد اضطراباً مما كانت عليه، فهيئة تحرير الشام على الرغم من أنها بحد ذاتها تمثل قوة على قدر كبير من التماسك، غير أنها لم تكن سوى جزء من التحالف الذي حقق النصر والذي يضم العشرات من الفصائل المسلحة التي يربط بينها تاريخ طويل من الاقتتال الدموي. ولقد تمكن الشرع من الوصول إلى السلطة من دون أن تثور عليه أي من تلك الفصائل، وهذا ليس بالأمر الهين، إذ خضعت كل الفصائل المسلحة لقيادته، وحلت نفسها بشكل رسمي في كانون الثاني 2025، ثم اندمجت في الجيش الوطني الجديد. أما الشرع فبذل كل ما بوسعه ليبعد السياسة عن عملية التفاوض مع تلك الفصائل، ولهذا عمد لاختيار قادة كأفراد وعرض عليهم ترقيات ومناصب عسكرية رفيعة، ولم يتعهد لأي منهم بمنحه استقلالاً ذاتياً في أي منطقة كما لم يعد أي فصيل بأي تمثيل سياسي، فقطع بذلك الطريق عليهم أمام التحول إلى تهديد حقيقي للقيادة العسكرية الجديدة، أو الدخول في سباق على السلطة السياسية. وعلى الرغم من أن عملية ترسيخ السيطرة على القوات المسلحة في البلد لم تكتمل حتى الآن، يمكننا القول إنه لإنجاز مهم أن تتمكن الحكومة من دمج منافسيها الموجودين في مناطق أخرى ضمن جسم عسكري واحد من دون ظهور صراع داخلي أو الخروج بترتيبات صلبة لمشاركة السلطة يمكن أن تنشأ عنها مشكلات مستقبلاً.

ومن التطورات المفاجئة والواعدة في هذا السياق ذلك التطور المتعلق بالسلطات الجديدة التي على الرغم من كونها تضم جهاديين سابقين، لكنها لم تفرض عقيدة إسلامية متشددة، بل ركزت على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق تقدم بالنسبة للعملية الدستورية. وعلى الرغم من أن الحكومة المؤقتة التي تسلمت مقاليد السلطة في أواخر 2024 معظم عناصرها من القياديين لدى هيئة تحرير الشام الموالين للشرع، فإن الحكومة الانتقالية التي عينت في آذار الماضي كانت متنوعة بشكل مثير للدهشة، كما أن مجلس الشعب الجديد الذي اختير أعضاؤه بعملية جرت إدارتها بشكل دقيق على يد لجان عينها الشرع بنفسه، لم تهيمن هيئة تحرير الشام على أعضائه، بل شمل أعضاء من المحترفين الفاعلين والتكنوقراط وشخصيات تابعة للسلطة ضمن السياق التقليدي، وعدداً قليلاً من الأفراد الذين تربطهم علاقات وطيدة بفصائل مسلحة (وما يزال تمثيل النساء ضعيفاً في البرلمان، إذ لا توجد سوى ست نساء بين 119 عضواً في مجلس الشعب). كما أن الحكومة المؤلفة من 23 وزيراً والتي تعتبر الجسم الإداري الرئيسي في البلد، لا تهيمن عليها هيئة تحرير الشام هي أيضاً، إذ على الرغم من أن أهم الوزراء فيها موالون للشرع، فإنها تشمل أيضاً وزراء تكنوقراط بينهم قادة في المجتمع المدني مثل رائد الصالح الذي كان مديراً لمنظمة الخوذ البيضاء التطوعية التي قدمت خدمات البحث والإنقاذ، إلى جانب شخصيات تحظى باحترام كبير بين أوساط الجالية السورية في الخارج، وعلى رأسهم هند قبوات التي كانت ناشطة مسيحية. ثم إن وجود قبوات ضمن الحكومة مذهل بحد ذاته لأن هيئة تحرير الشام لم تكن تقبل بمشاركة المرأة في السياسة عندما كانت تحكم إدلب قبل سقوط الأسد.



إلا أن هنالك واقع إشكالي يكمن تحت سطح هذه المشاركة الشكلية، إذ في الوقت الذي يعاد بناء المؤسسات السياسية في سوريا، تتركز السلطات الفعلية بأيدي الدائرة الضيقة التي تضم قيادات سابقة في هيئة تحرير الشام. لذا فإن مدى تأثير تلك الشخصيات التي جرى تعيينها والتي تمثل دوائر أخرى على عملية صنع القرار يعتمد على سعة صدر الرئيس ومستشاريه المقربين إلى حد كبير. كما أن الحكومة لم تمنح الشعب السوري أي مجال للتمثيل المباشر، فقد جرى حل جميع الأحزاب السياسية في كانون الثاني 2025، ومنذ ذلك الحين، لم تقر أية قوانين أو قرارات تسمح بتأسيس أحزاب جديدة، وفي هذه الأثناء، أصبح الأعضاء السابقون في هيئة تحرير الشام يتصرفون كحزب حاكم لم يتم الإعلان عنه، فهم يشغلون مناصب في الرئاسة ويهيمنون على الأجهزة الأمنية والوزارات السيادية، بل حتى هؤلاء الذين لم يشغلوا أي منصب رسمي كثيراً ما يتصرفون وكأنهم مشرفون بحكم الأمر الواقع داخل مؤسسات الدولة الجديدة. وهذا ما أقلق معظم أبناء وبنات الشعب السوري، لأن ما يشهدونه ليس انتقالاً يتجه نحو دولة تمثلهم وتشملهم جميعاً، بل نحو ترسيخ لنظام استبدادي جديد.

ومما زاد من مخاوف الشعب السوري طبيعة الدولة الجديدة، فالقوات التابعة للحكومة ردت بإجراءات قمعية على المشكلات الأمنية التي ظهرت خلال العام الفائت، ما كشف عن وجود فجوات في الانضباط والقيادة. إذ بعد مرور عقد ونيف على الحرب الأهلية، ظهرت خطوط صدع طائفية وسياسية في سوريا نتج عنها عنف بين الفينة والأخرى. ولقد حاولت الحكومة المركزية الجديدة وضع حد لهذا العنف عبر دمج جماعات مسلحة متبانية في جيش واحد، إلا أن ذلك الجيش بقي جيشاً بالاسم لا بالفعل والممارسة، فالحكومة لا تتمتع بسيطرة كاملة على قواتها المسلحة، ومن الصعوبة بمكان فرض الانضباط على جيش تشكل حديثاً، أضف إلى أن الموارد الضعيفة في البلد والانقسامات الطائفية لم تسعفها في تحقيق ذلك.

وتصاعد التوتر مع لجوء السلطات إلى نشر الجيش بهدف فرض الأمن. ففي آذار الماضي، نفذت قوات تابعة للحكومة عمليات في الساحل السوري استهدفت مجموعات مسلحة موالية للأسد، وأسفرت تلك العمليات، وفق تقارير حقوقية، عن مقتل نحو 1400 مدني من الطائفة العلوية. وفي تموز، أثار تأخر تدخل الحكومة في الاشتباكات التي اندلعت بين مجموعات درزية وأخرى بدوية في السويداء، إضافة إلى طريقة إدارة هذا التدخل، انتقادات واسعة، إذ اعتبره بعض أبناء المحافظة انحيازاً لصالح طرف على حساب آخر. كما ساهمت تقارير تحدثت عن انتهاكات ذات طابع طائفي ارتكبتها قوات تابعة للحكومة، إلى جانب توثيق مقتل قرابة ألف مدني، في تصاعد حدة المواقف داخل الأوساط الدرزية، حيث برزت دعوات متطرفة وصلت لدى بعض الأطراف إلى المطالبة بالانفصال عن سوريا وطلب الحماية من إسرائيل. وفي المقابل، أعلنت الحكومة المركزية بدء محاكمة عدد من العناصر المتورطين في تلك الانتهاكات.

وضع قادة سوريا الجدد بعض التدابير لتصحيح المسار، مثل توسيع نطاق عمليات التدريب والتجنيد والنشر للقطعات سريعة التأثر بعيداً عن المناطق التي تتسم بحساسيتها. وتكشف السيطرة على المناطق التي كانت في السابق خاضعة لحكم قسد بأن تلك الإصلاحات تعزز قدرة الجيش في السيطرة على الأراضي من دون أن يدفع المدنيون ثمن تحقيق ذلك. غير أن قوات الدولة ما تزال عاجزة على توفير حماية أساسية لمعظم السوريين والسوريات، فالعصابات الإجرامية والجماعات المسلحة التي لا تمثل الدولة ما تزال نشطة في كثير من المناطق بالبلد، فهي تقتل وتخطف وتبتز وتنهب وتفلت من العقاب أيضاً، وأشد من يتعرض لخطرها على الرغم من انتشاره هم أبناء وبنات الأقليات. وفي الوقت ذاته، تعاني قوات الأمن من نقص في الموارد كما أن معظم المجندين فيها لا يعرفون أي شيء عن المنطقة التي يتم فرزهم إليها، ولهذا يجدون صعوبة في فرض سلطة الدولة فيها.

إن حالات الفشل على الصعيد الأمني كانت السبب المباشر في خلق حالة من التشكيك بين معظم السوريين والسوريات تجاه طبيعة الدولة الناشئة، إذ إن المجتمعات في مختلف أنحاء سوريا، والتي لا تضم الأقليات فحسب، بل أيضاً شرائح من الغالبية السنية، ما تزال لا تعرف ماهية النظام السياسي الذي عليها أن تشاركه، كما أن التجربة جعلتهم يقلقون إزاءها، إذ من دون رؤية واضحة لطريقة توزيع السلطات في مؤسسات الدولة الجديدة، لا شيء يمكن أن يحد من القلق الذي يساور الناس. ثم إن كل حادثة تنطوي على عنف، وكل إهانة تنسب للسلطات المركزية، أو كل إشاعة عن ممارستها للمحاباة والمحسوبية، أصبحت تغذي تلك الشكوك حول سعي الحكومة الجديدة فقط لترسيخ سيطرتها وتركيزها بيد فئة محدودة من الناس.

بقي ذلك القلق حاضراً لفترة طويلة في شمال شرقي سوريا حيث الغالبية الكردية، فالحديث عن دمج قوات قسد المقاتلة والتي تضم قطعات مؤلفة من أعداد كبيرة من النساء، ضمن الجيش، مع توسيع لسلطات الحكومة المركزية لتشمل المناطق التي كانت قسد تسيطر عليها، لم يحقق أي تقدم على مدى سنة ونيف. فقد كانت قيادات قسد ترغب بالاحتفاظ باستقلال ذاتي في مناطقهم، ولذلك رفضوا الخصوع لنظام سياسي يهيمن عليه فصيل تعتبره قسد عدواً محتملاً لا يقف أمام سلطته سوى نسبة ضئيلة من القيود داخل المؤسسات. إلا أن دمشق صار لها اليد العليا خلال الأسابيع الماضية، إذ بعد أن سيطرت قواتها على معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرة قسد، توصلت الحكومة إلى اتفاق مع قسد في الأسبوع الماضي يرسم طريقة لدمج قسد في الجيش الوطني وإلحاق قيادات تلك الجماعة ومؤسساتها المحلية بالدولة السورية. ومع اعتراف الحكومة بحقوق الكرد الثقافية واللغوية وحقهم بالمواطنة، حققت تلك الخطوات تقدماً رحب به كثيرون، إلا أن هذه الخطوات لم تصل إلى درجة معرفة نوع النظام السياسي الذي سينضم له الكرد وغيرهم من الجماعات السورية.

إن التحديات التي تواجه دمشق والتي تشمل التوتر الطائفي وغياب الانضباط في المجال الأمني، هي مشكلات لا يمكن معالجتها بمعزل عن بعضها، لأنها عوارض لعملية انتقال سياسي منقوصة، فالحكومة الجديدة خرجت بإعلان دستوري وشكلت مجلساً للشعب، لكنها لم تقنع الشعب السوري بقدرة مؤسسات الدولة التي أعيد بناؤها من جديد على خلق مشاركة حقيقية وحماية مصالحهم ووضع قيود على ممارسة السلطة واستخدام القوة.

أبدت هيئة تحرير الشام استعدادها لتقديم تنازلات خلال فترة حكمها لإدلب، فسمحت للمجتمع المدني بممارسة مزيد من النشاطات، وساعدت الأقليات على استعادة أراضيهم وبيوتهم، كما فكرت أيضاً بإقامة برلمان منتخب حتى ولو كان خاضعاً لإدارة دقيقة وصارمة، وذلك بعد حوادث الاعتقال والتعذيب التي كانت السبب بخروج مظاهرات محلية طالبت بمحاسبة أجهزة الأمن التي هيمنت عليها هيئة تحرير الشام. غير أن معظم تلك التنازلات كانت تكتيكية، لأنها حرصت على نزع فتيل الاضطرابات مع إبقاء قبضة هيئة تحرير الشام على السلطة، أي أن الهدف منها لم يكن تقاسم السلطة مع منافسيها السياسيين. ومايزال هذا النهج متبعاً اليوم، فالشرع وحلفاؤه عينوا بعض الأشخاص الذين لم يكونوا تابعين لهيئة تحرير الشام في مناصب مرموقة، لكنهم لم يقدموا أي تنازلات حقيقية للقوى السياسية المنظمة، كما لم يحددوا دور الأحزاب السياسية، ولم يرسموا خارطة طريق لتوزيع السلطة، ولم يقدموا أي ضمانات للمجتمعات التي تخشى من التهميش أو الانتقام، بل تعاملوا مع العملية الانتقالية كعملية تكنوقراطية وكأن كل ما تحتاجه مسألة إعادة بناء البلد يتلخص باستقطاب أعظم المتخصصين كفاءة. ولكن لا يمكن تجاهل البعدين السياسي والاجتماعي لهذه العملية، إذ لابد للشارع السوري أن يقتنع بمشروع بناء الدولة، وحتى يتم ذلك، لابد لأفكار الشارع ورأيه أن تترجم إلى قرارات تعنى بمستقبل البلد.

تقر القيادة السورية بوجود من يطالبها بمشاركة سياسية أوسع، واليوم أفضل من غداً لدعوة بقية أبناء وبنات المجتمع السوري لتحقيق ذلك. إذ بعد عام من إدارة الأزمات وكسب الدعم الخارجي، حان الوقت لأن تشمل الحكومة السورية فئات أوسع من الشعب وأن تنهض بمؤسساتها، وهذا يعني توسيع عملية اتخاذ القرار بعيداً عن الدائرة الضيقة التي تضم قيادات سابقة في هيئة تحرير الشام، وتوضيح الدور الذي ستلعبه فئات المجتمع المتنوعة، والأحزاب السياسية، والعناصر السابقة في هيئة تحرير الشام، ضمن النظام السياسي، كما يعني ذلك تمكين مجلس الشعب السوري الجديد ورفده بصلاحيات حقيقية، بحيث لا يقتصر دوره على البصم على القرارات التنفيذية والتوقيع عليها بكل إذعان وخضوع، وهذا يعني بأن المناطق التي كانت خاضعة لقسد لن يتم السيطرة عليها كأرض فحسب بل إن المجتمعات الكردية الموجودة فيها سيتم دمجها بشكل كامل ضمن المؤسسات السياسية للدولة الوطنية من دون أي تمييز بينها وبين بقية الفئات الأخرى من الشعب السوري.

وهذه الخطوات ستكون صعبة التحقيق، لا سيما بالنسبة لثلة من القادة الذي أمضوا العقد الأخير من الزمان وهم يعملون في بيئة تجسدت فيها المعارضة السياسية على شكل عنف مسلح وكانت مسألة الاحتفاظ بالسيطرة الصارمة ضرورة للنجاة والبقاء. ولكن الآن، يمكن للتمسك الشديد بالسلطة أن يكلف الحكومة المركزية شرعيتها على الصعيد الداخلي، ما يهدد أيضاً شرعيتها في الخارج والتي لم تصل إليها دمشق إلا بشق الأنفس. فمستقبل الاستقرار في سوريا يعتمد على إقناع الشعب السوري على تنوعه بانتماء الدولة الجديدة إليه بكل صدق. ولا بد للسنة المقبلة أن تكشف مدى استعداد قادة دمشق وقدرتهم على تحقيق ذلك، لأن البديل دولة جوفاء، تحظى باعتراف دولي وينهشها نزاع داخلي، وتتخبط بين أزمة وأخرى، أي أن العملية الانتقالية في حال عدم اكتمالها يمكن أن تزرع بذور الصراع القادم في سوريا.


المصدر: The Foreign Affairs

عدد المشاهدات: 63058
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة